جواهر حلب

 

 

 

 

 ساعة باب الفرج

 

 

احتفلت حلب في 15 ربيع الأول من عام 1316 هـ / 1898 م بوضع حجر الأساس لمنارة ساعتها تجاه باب الفرج أحد أبواب حلب الأثرية السبعة .

 

 

 

 

تبرع الحلبيون لعمارتها بنحو ستمائة ليرة عثمانية وقام المعماري الحلبي علي صهريج بإكمال بنائها خلال عام واحد فقط , فتفردت عما حولها من أبنية بارتفاعها عشرين مترا ً وبوجوهها الأربعة تطل بها على الجهات ..

 شرقا ً حتى أول القوافل في ( طريق الحرير ) وغربا ً حتى البحر الأعلى , كما سمته الملاحم

وتسميه اليوم متوسطيا ً , وإلى الشمال حتى قمم ( طوروس ) أما الوجه الرابع للساعة , وجه جنوبها , جنوب الروح نحو قدس مسيحنا الآرامي لحظة إسراء المصطفى ( ص ) ومعراجه من قبة الصخرة إلى سدرة المنتهى .

 

 

 

ساعة باب الفرج , كانت للحلبيين من أوقاتهم مواقيت الصلوات الخمس .. يضبطها ميقاتي الجامع الأموي بالمزولة الشمسية على جدار صحنه الشمالي , وبـ ( الإسطرلاب ) الحلبي

ابتكارا ً وصنعا ً في باحة الجامع الأموي على قاعدة من رخام جبال الأمانوس .

 

 

يعطي الميقاتي الإشارة للمؤذن الأول على شرفة المئذنة المربعة أحجارا ً وظلا ً , وإذ يعطي الميقاتي الإشارة للمؤذن الأول يرفع المؤذن الثاني البالون الأحمر فوق المئذنة بواسطة الحبال من غرفة في أسفل المئذنة , ليراه نهارا ً مؤذنو حلب , وليلا ً بضوء القناديل .

 

يصدح مؤذن الأموي بشجو صوته فتتبعه مآذن حلب الألف حيث الحناجر الحلبية قد أتقنت بل جودت في مقامات الآذان , منها حنجرة بكري كردي , صبري مدلل , وصباح فخري الذي كان لفترة شبابه مؤذنا ً .

كان مهندس بناء الساعة ( شارتيه أفندي ) مهندس ولاية حلب وبكر صدقي مهندس المدينة , وأشرف عليها رئيس المجلس البلدي في حلب آنذاك بشير أفندي الأبري .

 

 

 

انضم إنجاز ساعة باب الفرج إلى إنجازات والي حلب الإصلاحي المتنور رائف باشا الذي أراد أن يجعل من حلب (( استنبول الصغرى )) مضى رائف باشا وانقضت أزمان دولته , ولما تزال ( بدعة الإفرنج ) ساعة باب الفرج شاهدة على أزمان بلاد الشام مذ قام الخبير الألماني / النمساوي .. يضبط وجهيها شمالا ً وجنوبا ً على التوقيت الشرقي المسمى بالتوقيت العربي ,

ويضبط وجهها شرقا ً وغربا ً على توقيت برلين .

 

وقد توالت مواقيت العواصم الاستعمارية الكبرى ( برلين – لندن – باريس ) على وجهين من وجوه أوقاتها , حتى جاء الساعاتي الحلبي , ينادونه (( نجيب أفندي .. الساعاتي )) , فإذا الصنعة تطغى على كنيته فصعد برج الساعة لحظة إعلان معاهدة الجلاء , معتكفا ً في قبتها ليوحد وجوهها الأربعة على التوقيت الوطني ..

 

ففي سالف المواقيت والأزمنة .. كان ( الكلدانيون ) أول من قسموا اليوم إلى أربع وعشرون ساعة .. وأول الساعات في ( بابل ) شمسية , ثم المائية عرفها ( الآشوريون ) ثم ( المصريون ) القدامى .. ثم الساعة الرملية , حتى اخترعوا في أوربا الساعة الميكانيكية تتحرك بقوة الثقل ,

في القرن الحادي عشر للميلاد .

 

 

 

وفي الأمثال الحلبية عن الساعة , يتندر الحلبيون عن الشخص المتأنق اللامع وجهه فيقولون :

(( وجك متل .. قفا الساعة )) أو على الغليظ صحبته (( ينعل الساعة اللي تعرفنا فيها عليك ))

وللحلبيين في الساعة حكمة تستعصي على كل تفسير (( الساعة إذا كانت بتسبق .. بوسا , وإذا كانت بتقصر .. دوسا )) وهناك ألغاز وأحجيات عن الساعة مثل (( إينا شي إذا ربطتوا بيمشي , وإذا انفك رباطو بيوقف )) ..

 

 

ساعة باب الفرج تؤام السور الذي انكشف في خاصرتها الشرقية , هذه الساعة لا تواسيها سوى دار الكتب الوطنية , وقد اختار أحجارها الشاعر العربي الكبير ( عمر أبو ريشة ) برهافة الشعر في عينيه ...

 

 

 

.

المصدر : المؤرخ عامر رشيد مبيض