جواهر حلب

 

أسماء مدينة حلب

 

 

تعدُ حلب الشهباء من أقدم مدن العالم التي مازالت مأهولة في التاريخ حتى الزمن الراهن .
فأول إستيطان فيها تم منذ حوال تسعة ألاف سنة . تدل على ذللك اللقى الاثرية من منطقة تل السوداء , وموقع الأنصاري , و قد عاصرت حواضر عديدة منها إبلا و أوغاريت و ماري , و كلها اندثرت , و ظلت حلب صامدة رغم غوائل الدهر و نوائبه .

و صادفت على مر التاريخ أمماً و شعوباً مختلفة سواء عربية او أجنبية من حثيين و أراميين و كنعانيين و بابليين و آشوريين و فرس و يونان وروم وعرب الجزيرة المسلمين و غيرهم .
لذلك فقد أطلق على هذه المدينة تسميات عديدة , و قد ناقشها بعض المؤرخين و الباحثة , وسنعرض فيما يلي اهم هذه الاسماء و الآراء , حولها

حلب: يذكر العلامة الأسدي في كتابه << حلب >> : <<تدخل حلب سجل التاريخ منذ العشرين ق . م , باسمها الراهن ولما كانت في ذلك العهد عاصمة , و استلزم هذا أن يكون لها ماض قديم . على ان منبتها يضيع في ليل الزمان , نحن إذن امام أقدم مدن العالم . ومهما شارك اسم حلب من اسماء فإن الاسم الأول ظل يدوي في مسمع الزمان , لا منذ فجر التاريخ , بل منذ فجر الإنسانية حتى اليوم >> .


وقد ذكر أبن العديم في كتابه : << زبدة حلب >> , بأن اسم حلب عربي لا شك فيه , و كان لقبا لتل قلعتها , لكن الأسدي يرى أنما دعيت حلب عندما كان العرب جزءاً من كل , يوم كانت الامم الاسامية أمة واحدة , و الصواب أن يقال حلب سامي لا شك فيه . 


الشهباء :
و الشهباء مؤنث الأشهب , صفة مشبهة . وصفت بها حلب بعهد العرب , دون غيرهم , و طغى هذا الوصف حتى بلغ حفافي العلمية ؛ من قبيل اللقب .
و قال ابن شداد في كتابه : << الأعلاق الخطيرة >> : و تلقب الشهباء والبيضاء وذلك لبياض أرضها , لأن أغلب أرضها من الحجارة الحوارة , و ترابها يضرب إلى البياض , إذا أشرف عليها الإنسان ظهرت له بيضاء .

أما اسطورة حلب إبراهيم بقرته , هذه البقرة التي كانت في قطيعه , وتلفت النظر بخوارها و لونها المرقش , و كان الذين ينتظرون في الأسفل << تل القلعة >> يميزون خوارها , ويشير بعضهم إلى بعض << إبراهيم حلب الشهباء >> فهي من خيال إبداعي .


ويذهب عيسى اسكندر المعلوف إلى أنه لعل العرب عربو كلمة << حلبا >> السريانية بمعنى البيضاء , فقالوا : حلب ونعتوها بمعناها  أي : حلب الشهباء , و جرى على الألسنة هكذا , ولكن الكتاب قالو في جميع ذلك حلب .

ياروا : ذكر الغزي في كتابه << نهر الذهب >> نقلاً عن أحد البطاركة أن المقدونيون – لما استولو على بلاد سورية – أطلقوا على مدينة حلب أسم << بَرُوّا >> أقتداء بإسم إحدى المدن اليونانية في بلاد تراقي , غير أن الأهالي حافظوا على أسمها القديم . المفهوم من هذا أن كلمة << باروا >> أو << بروا >> يونانية لا سريانية – كما قال ياقوت .
وقد ذهب مذهب الغزي عدد من كتاب و الباحثة وهم << يوسف أليان سركيس >> , و << سوفاجيه >> و << دائرة المعارف البريطانية >> و << شمس الدين سامي >> و << بوران >> .


وذكر المجمع العلمي اليوناني : أن << بيريا – Beria >> - عدا المدينة المكدونية – مدينة بالقرب من أنطاكية << حلب >> ؛ وهي مشتقة من كلمة << بيرويفس – Berojefs >> أو من بيروايوس Berojaeos ؛ وهو أحد حكماء اليونان السبعة .
وقال بعضهم : كان لحلب أسمين : بيروا و حلب . فالاسم الأول كان جارياً في المعاملات الرسمية , و معروفاً لدى أرباب العلم و التاريخ , ولا سيما في كتب البيعة للنصارى , فإن كرسي الأساقفة فيها كان يدعى عند اليونان بأسم << بيروا >> .
أما عند العامة فبقيت معروفة بأسم << حلب >> إلى أن فتحها العرب . فلم يعد ذكر الاسم << بيروا >> إلا في بعض المطرانيات .


متّامَحُسيا
: قال الأسدي : هذا الاسم مما أطلقه على حلب اليهود خاصة ,ومعناه مدينة ملجأ الله , أي : المدينة التي لجأت إلى الله , أو المدينة التي يلوذ أهلها با لله .
ولم تطلق << متّامَحُسيا >> على حلب أول ما اطلقت , إنما نقلت من أسم مدينة أخرى على غرار ما فعله الكنعانيون في نقلهم أسماء مدن موطنهم الأصلي إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط الشرقية ؛ وعلى غرار نقلهم ما صنع العرب في الأندلس – و حمص الاندلسية منها – بل وعلى غرار ما صنع اليونان – كما جاء في باروا .
أول ما أطلق اسم << متّامَحُسيا >> على مدينة << سوار >> الواقعة غربي الفرات , لأنه حدث فيها مرة وباء و هلك فيها خلق كثير , وبعد أن رفع عنها البلاء نصح بإطلاق هذا الاسم كي لا يتسلط عيها ملك الموت مرة ثانية . وهكذا أطلق هذا الاسم على حلب التي اشتهرت منذ القديم بمحافلها الدينية , و بعلو درجات علمائها و أحبارها , حتى كانت قبلة الأرض , وذلك من قبيل التشبيه , للتعبير عن شعور الإكبار لأنه اسم أطلق عليها.

 


أرام صوبا : وقد أطلق اليهود على حلب أسم أرام صوبا , كما سموها على سبيل الاختصار << صوب >> . وقد ورد هذا اللفظ إحدى عشرة مرة في أسفار اليهود . وجاء في دائرة المعارف الاسلامية : والظاهر أن << أرام صوبا >> في العهد القديم هي نفس حلب .
على أن ثمة أراء بان << أرام صوبا >> أو << صوبه >> لا تعنيان حلب , بعضها تذكر أنها تعني << قنسرين >> أو مدينة ما بين حماة و دمشق أو << مملكة تدمر >> أو << كورة مابين حلب و حماة >> . ويرى الأسدي أن أصح الآراء هو أن << صوبا >> واقعة جنوبي حماة و الوثائق الأثرية تدعم ذلك . ومما لا ريب فيه أن حلب أسماها اليهود أرام صوبا و صوبه ؛ لا بطريق النقل كما في << متّامَحُسيا >> أنما هو بطريق تعيين موقع مدينة زالت معالمها بمدينة أخرى قائمة .


أرمان: أقدم نص ورد فيه ذكر حلب رقيم يرجع عهده إلى << نِرِم سين >> الأكادي << 2452 – 2507 ق.م >> ؛ وفيه دعيت حلب بأسم << أرمان >> Arman . هذا الاسم القريب لفظاً من أسم << حلوان >> الذي كان الآشوريون يطلقونه على حلب . وهناك رقيم آخر حوري سومري يدعو << أرمان >> و << ابلا >> بلفظ << حَلْبَِابِّا >> و << ابلابَا >> .
وبما أن حلب << حلباب >> و << حلب >> و << حلباس >> عند الحثيين و السومريين , فلا في أن <<أرمان>> هي حلب الحالية القريبة من لفظ << حلوان >> الآشورية , كما يرى صبحي الصواف في كتابه << أقدم ما عرف عن تاريخ حلب >> . و يعلق على ذلك الاسدي فيقول : نحن لا نلاحظ هذه القرابة , فنميل إلى الدحض , و نلاحظ النص الحوري السومري فنميل إلى الإقرار , على هذين نتريث في الحكم .


ما بوغ : ورد في الدر المنتخب : .. الصائبة كانت تسميتها << مابوغ >> و تعرف عندهم بمدينة الأحبار . وفي كتاب << بابا الصابي الحراني >> في المقالة الرابعة .. مدينة الأحبار , المسماة << مابوغ >> كذا , والصواب أن هذا أحد اسمي منبج .
ولفظة << منبج >> سريانية محرفة هن << منبغ >> ومعناها : المنبع سميت بهذا الاسم لوجود عين عظيم فيها تعرف بأسم << الرام >> و قيل : هي عربية . ولكن الأسدي يأخذ على الغزي فيقول : ليس في السريانية حرف غين , الصواب أن مابوغ هي منبج .


يره بوليس : ورد في تاريخ الأرمن للمعلم جاكي جان : أن مدينة حلب كانت تسمى << هرابلوس >> لأنها أنشأت عوضاً عن مدينة هرابلوس القريبة منها .
وجاء في القاموس الأرمني الكبير : أن البابوات سموا قبلا مطارين حلب , في جملة مناشيرهم بأساقفة هرابلوس .
ويرى الغزي أن << يره بوليس >> هو اشهر اسمي منبج في الدولة الونانية .
أما الأسدي فيقول في مقالة << دوسود Dussaud >> يره بوليس Herapoles هي التي يدعوها الآشوريون << نابيجو Nappigy >> وتدعوها النصوص مابوج Mabbog .


أشمونيت: قال ابن النديم : وقال بعض المؤرخين في المسيحية : الذي ملك بعد الاسكندر بطليموس الأريب , وهو الذي بنى مدينة حلب و سماها << أشمونيت >> . ويضيف أيضاً : ورتب فيها أبنته << أشمونيت >> , وسمى المدينة باسمها , و أضاف لها جنداً .
ثم يتنهي إلى قول : لم يبقى بحلب موضع ينسب إلى << أشمونيت >> غير عين المعروفة بأشمونيت .
و يعلق الأسدي على ذلك قائلا ً : إن حلب لم يبنيها بطليموس لكن دعاها << باروا >> لذا فإننا نحكم قطعاً ببطلان هذه التسمية التي انفرد بها ابن النديم .


تدمر الجديدة : يقول الأسدي : وباطل أن حلب دعيت باسم تدمر الجديدة .بجامع انها ملتقى القوافل . ولقد غاب عنا مصدر هذه الدعوى , ولعلها في << أساطير الأولين >> لميخائيل و غبريئيل .


قنسرين : وذكر الأسدي : و باطل أيضاً قول بعضهم : و في تاريخ ابن شداد ما يقضي إطلاق اسم << قنسرين >> على حلب نفسها .
وجاء في دائرة المعارف البريطانية : وكان اسم قنسرين شاليس Chales وهي تبعد عن حلب نحو الجنوب قليلاً , وكانت مركزاً للمقاطعة المذكورة ثم تبدل أسم << شاليس >> عند العرب بقنسرين

.

زار حلب الرحالة الإنكليزي بوكوك قبل قرنين و نصف , و قال : إنها من أجمل مدن الشرق . وزارها الرحالة الفرنسي فولي منذ قرنين ووصفها بقوله : << قد تكون أنظف مدينة في السلطنة العثمانية و أجملها بناء و ألطفها عشرة و أصحها مناخاً , والحلبيون هم اكثر اهل السلطنة تمدناً >> و قال كورالز : قنصل فرنسا في حلب منذ 175 سنة : حلب من أجمل مدن السلطنة يحكمها باشا بثلاث شرابات ,أزقتها ضيقة , و لكن بيوتها عامرة بالحجر الصلب . وقدم حلب منذ مائة و ستين عاماً أوذيب دولاس الفرنسي : أستاذ اللغات الشرقية والحية و عضو الجمعية الاسيوية و اعجب بما رآه في منزل << قرالي >>قرب بواية الياسمين من زخارف الفن البنائي , أعجب جداً بما شاهده في بيت يوسف صادر من المصنوعات الخشبية المزوقة في سقوفه ,

ثم قارن بين حلب والقاهرة : حلب تفضل القاهرة كما يفضل الحي الميت فناً و حسن الأخلاق , إلى أن قال وهو يجتاز طريقاً ضيقا ً في حلب : آه حقاً حلب ملكة الشرق .


ومن بيوت حلب بيت صادر و يعد من أفس و اضخم دور بحلب القديمة وهو في حارة الحصرم وكان فوق ليوانه رفراف ثمين جداً جداً اشتراه الألمان , كما كان فيها منذ القريب طاوان أي سقف يعد آية في الفن العجمي المذهب الغريب.

وجاء في مذكرات دارفيو : إن الأمر الخارق للعادة هو إمتياز الحلبيين و سموهم على سائر شعوب الممالك العثمانية كلها وأنهم أحسنهم طباعاً , وأقلهم شراً و ألينهم جانباً و أشدهم تماسكاً بمكارم الأخلاق من جميع شعوب هذا الملك العظيم .. وزار حلب بعده زامبليز الإنكليزي , و قال : << حلب هي لندن الصغيرة >> , كما زارها الشاعر الفرنسي لامارتين و سماها أثينا الآسيوية و أثنى على سمو نبل أهلها و تصرفاتهم المستحبة ووقارهم .


وسكن لامارتين طويلاً في حي الكتاب ووصف في قصيدتة الفتاة الحلبية تدخن اركيلتها قرب بركة , عرّبَ القصيدة شعراَ عيسى المعلوف و نشرتها مجلة الضاد . وورد ذكر حلب في شعر شيكسبير مرتين , كما ذكرها دانتي .
قبل كل هؤلاء أستأذن أرسطو المعلم الأول الأسكندر في أن يستجم في حلب و ظل فيها اشهرا كما يحدثنا ابن العدم . كما اقام في حلب المعلم الثاتي الفرابي , و ظل فيها طويلا برعاية سيف الدولة و فيها مات .

فحلب إذن هي المدينة الوحيدة في الأرض التي أظلت المعلمين كليهما . هذه حلب من عهد مغايرها حتى اليوم مورد الصفاء و موئل العزة , تقول للزمان أنا شيخة المدن ولا أزال فتية .

.

المصدر : موسوعة المؤرخ عامر رشيد مبيض