جواهر حلب

 

آ - مدينة حلب في العصور القديمة

 

تعد مدينة حلب متحفاً كبيراً للحضارات المتعاقبة منذ القدم وصولاً إلى الحضارة العربية الإسلامية، فهي من المدن  الفريدة التي تتجمع فيها النقوش الأثرية والمعالم الحضارية
التي توضح بشكل متصل تاريخ العمارة والفنون عبر العصور

وقد ورد ذكر مدينة حلب في المصادر التاريخية والنقوش الأثرية، فكان أول ذكر لهذه المدينة في نقوش وأسفار ترجع إلى حوالي منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، ثم ازدهرت وامتدت حضارتها حتى شملت رقعة كبيرة من الأرض، واستمرت في  العمران عبر الحقب الزمنية المتتالية ,  ويدل على ذلك رُقم مدينتي (أور و ماري)سابقاً ، ( رُقم  مدينة ) إبلا . كما ورد ذكر حلب في عهد ريموش الأكادي بن صارغون (2530-2515) ق.م مؤسس أول إمبراطورية ساميّة في  الشرق عندما استولى على حلب وأسر ملكها لوكال أو شومكا .

   وبعد أن نعمت حلب بالحرية بعد عهده استولى نارام الأكادي  (2507-2452) ق.م عليها وسماها ( حلبابا وأرمان) وشهدت حلب  عصرها الذهبي وذلك في عهد حمورابي البابلي

  وزمريليم ملك ماري نحو سنة (2000) ق.م.

 

وعندما اتجه الحثيون أثناء زحفهم الجارف قاومتهم حلب  ولكنهم استولوا عليها عام (1820) ق.م ولكن حلب تحررت عنهم عام (1650 ) ق.م حيث انضمت إلى الميتانيين.

وقد بقيت حلب  متأرجحة بين الميتانيين و الحثيين وظلت ا لمدينة حثية حتى ( 1200) ق.م حيث انهارت الدولة الحثية . وبعد ظهور  الآشوريين خضعت سورية كلها لحكمهم فقد فتحها سلمنصر الثالث  ( 853)ق.م دون مقاومة، وبقيت حلب كذلك حتى فتحها سارودري  الثالث ثم ما لبث الملك الآشوري تغلات فلاصر أن استعادها (743) ق.م. ثم وقعت حلب تحت حكم البابليين بعد انهيار دولة  الآشوريين (612)ق.م ، وبعد أقل من قرن فتح الفرس حلب،  وأهتم الفرس بمدينة حلب فأقاموا المحطات على طول الطرق وحفروا الآبار وأقاموا السدود لتوسيع رقعة الري.

  وبعد معركة ايسوس الشهيرة (333) ق.م التي قادها الأسكندرالمقدوني آل حكم حلب للمقدونيين، وبدأت فترة المقدونيين  بالنهب والسلب بعد عملية الاجتياح ، ولكن هذه الحقبة لم  تدم  طويلا، إذ سرعان ما انصرف الإغريق نحو العمران والتنظيم.

في آخر عهد السلوقيين انتشر الفساد وتسرب النفوذ الروماني  منذ سنة (64)ق.م. وقد تميزت فترة الحكم الروماني بانتشار  المسيحية في سورية حيث بدأ الاهتمام بتشييد الأبنية  الدينية المسيحية، وفي عام (540) م هاجم كيخسرو الأول سوريا فأحرق مدينة حلب برمتها وتم الصلح بين أهل حلب وبين هرقل (630)م، فازدهر العمران وقامت المدن المحصنة على تخوم
 البادية الرومانية .

تاريخ مدينة حلب عبر العصور الإسلامية

امتدت أسهم جيش الفتح العربي الإسلامي لتشمل خارطة الوطن  العربي الإسلامي الكبير وليمتد مسيرة مدينة حلب عام (637)م  حيث دخل خالد بن الوليد على رأس جيش المسلمين حلب من باب  أنطاكية، ولم يمض وقت طويل حتى استطاع العرب الفاتحون أن ينشروا
اللغة العربية في سوريا الشمالية (حلب) التي كانت لغتها  السريانية غير بعيدة عن لغتهم، ويمتد تاريخ حلب منذ الفتح  الإسلامي إلى اليوم إلى العهود التاريخية التالية :

عهد الخلافة : 16-222هـ / 636-836م

 

لم يكن لمدينة حلب شأنها الكبير في عهد الخلافة الراشدية  والأموية والعباسية، ولكنها  شهدت في نهايات العصر العباسي فترة ازدهار ورقي ثقافي  وفكري وحضاري شمل جميع الميادين وأبدع أبناء المنطقة في  صناعة الألبسة وبناء المساكن الضخمة والمساجد الشهيرة .

عهد ما بعد الخلافة : 223-532 هـ /837-1128م

 

عرفت حلب في التاريخ العربي منذ غدت مقر سيف الدولة الحمداني الذي أعاد إليها أمجادها وجعلها عاصمة دولة مزدهرة بالفن والعلماء والشعراء حتى قيل عنه في المصادر  التاريخية : ( أنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر ونجوم الدهر ).

 


 وكان سيف الدولة يكرم الشعراء والكتاب والعلماء، ومن أشهرهم الشاعر أبو فراس الحمداني وأبو الطيب المتنبي.ويصف شاعر البلاط الحمداني أبو الطيب المتنبي مدينة حلب بقوله :


كلما رحبت بنا الروض قلنا .. حلب قصدنا وأنت السبيل


وقد اتسعت مملكة حلب فشملت كيليكية، وملاطية، وديار بكر، وأنطاكية، وطرسوس، وأدرنة، وروم قلعة، إلا أن وقوف سيف  الدولة وجيشه في وجه الروم  وغزواته المتكررة لبلادهم دفعتهم إلى محاصرة المدينة سنة 353هـ، واحتلالها وتدميرها وإحراقها وتركها مقفرة خالية
بعد أن راح أهلها بين قتيل وأسير.

وعندما عاد سيف الدولة إلى المدينة ووجدها على هذه الحال جدد الأسوار وبعض المباني واستقدم إليها أهالي قنسرين وأسكنهم فيها ثم توفي ليترك حلب من بعده مدة قرنين من الزمن في عهد من الضياع والفوضى، حيث توالى على حكمها الفاطميون والمرداسيون وشهدت حلب تزايدا للنفوذ التركي ثم حكمها السلاجقة، وقد شهدت المدينة خلال هذه  الفترة خضوعا للروم ثم كانت حملات الصليبيين الذين اكتسحوا  حلب (1108م)، ولم ينته عهد الفوضى إلا عندما تولى عماد  الدين زنكي إمارة حلب .

عهد الدولة النورية 523-579 هـ / 1128-1260م

 

 أصبحت حلب مركز المقاومة الإسلامية ضد الفرنجة بظهور  الأمير عماد الدين وابنه نور الدين محمود، فقد بدأت أحوال حلب في التحسن،ثم جاء زلزال حلب المدمر (1170)م وقد قام
نور الدين على إثر هذا الزلزال بأعمال عمرانية كبيرة داخل المدينة،وفي الأسوار  فأعاد بناء القلعة حتى أخذت شكلها النهائي.

 وحكم حلب بعد وفاة نور الدين ابنه، ثم آلت إلى صلاح الدين  الأيوبي الذي وضع أخاه حاكماً عليها، ثم أعطاها إلى ابنه  الملك الظاهر غازي الذي كان من أعظم ملوكها ومصلحيها،فقد
 رمَّم أسوارها وحصَّن قلعتها وجعلها مركزاً له ولبلاطه .

عهد الدولة الأيوبية 579-659هـ / 1183-1260م

 

يعد عهد الدولة الأيوبية العهد الزاهر لمدينة حلب في العصور الوسطى، ومن أشهر حكام هذه الدولة الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، الذي استطاع بحكمته وقاية المدينة من  شرور الفرنجة، إضافة إلى عقده عدة معاهدات تجارية مع أنطاكية والبندقية  حتى نالت حلب شهرة ومجدا عظيمين في عهده. وقد انتهى هذا  العصر الذهبي الذي عاشته المدينة باجتياح المغول لحلب  (1260)م بعد حصار عدة أيام وظلت المدينة أسبوعا كاملا تحت  رحمة المجازر والنهب والحرائق، وحول هولاكو الجوامع إلى  كنائس،  وفي عام ( 1400م)، خرج المغول من حلب بعد انتصارات  المماليك عليهم في عين جالوت وحمص.

ورمم الملك الأشرف سيف الدين قلاوون المدينة والقلعة. وما  لبث المغول أن عادوا إلى حلب واحتلوها في عهد تيمورلنك سنة  804هـ/ 1401م، وهدموها وأحرقوها ودمروها من جديد، ولكنهم  لم يمكثوا فيها طويلاً، فعاد إليها المماليك ورمموها وظلوا  فيها إلى عام 922هـ/ 1516م .

 

عهد المماليك : 659-922هـ/ 1260-م 1516

  أصبحت مدينة حلب ولاية مملوكية بعد انتهاء خطر المغول،  ومن أبرز حكام العصر المملوكي، السلطان قايتباي الذي تميز باهتمامه بالعمران وترك آثارا عديدة مثل جامع الفردوس وخان الصابون، كما خلف لنا العصر المملوكي بعض العمائر  الإسلامية مثل خان القصابية ( خان ابرك )، وخان خاير بك .

 

عهد الدولة العثمانية : 922 - 1337هـ / 1516- م 1918

  دخلت حلب في حوزة العثمانيين بعد معركة مرج دابق – شمال   حلب – وظلت خاضعة للعثمانيين حتى سنة 1247هـ/1831م، حيث استولى عليها إبراهيم باشا بن محمد علي باشا والي مصر.


 وظلت مدينة حلب خاضعة للحكم المصري حتى عام  1256هـ/1840م، ثم عاد إليها العثمانيون من جديد. وظلوا فيها إلى أخر الحرب العالمية الأولى. وفي هذا الوقت دخلت  مدينة حلب في حكم الأمير فيصل بن الحسين بمساعدة الحلفاء،  ثم خضعت مع المدن السورية للحكم الفرنسي منذ عام 1920م حتى  عام 1946 م حين نالت سوريا استقلالها.

 

  وقد شهدت حلب نهضة أدبية وفنية وعمرانية طيلة العهد  العثماني،فمن الناحية العمرانية ظهر فن عمراني زخرفي بلغ  قمته في تلك الحقبة من الزمن ولاسيما في البيوت السكنية  والقصور الواقعة حاليا في حي الفرافرة والصليبة،ونجد فيها بعثا للتقاليد الفنية السورية التي تعود إلى القرون الرابع  والخامس والسادس للميلاد، وظهر ذلك بشكل باحات فسيحة جيدة البلاط مع حديقة صغيرة وبركة تتوسطها نافورات حجرية وإيوان  متجه نحو الشمال ومحمي من أشعة الشمس والصالون الكبير  المتعامد الذي تعلوه قبة .

 

عهد الاحتلال الفرنسي والاستقلال 1920-1946م

 

عاشت حلب بين عامين ( 1918-1920م) فترة فرح نسبي باستقلال كاذب لأن الانتداب الفرنسي فرض وصاية واسعة على سورية في  1920م بدخول الجنرال غورو دمشق الذي أحدث فيها دماراً.

 

وقد كانت الفترة (1920-1946م) مليئة بالثورات والانتفاضات الوطنية التي انتهت جميعا بالاستقلال والخلاص من كل حكم   أجنبي. ومنذ عهد الاستقلال إلى اليوم وسورية تسير مع النهج العربي الإسلامي، وتساهم مع شقيقاتها في بناء النهضة  العربية الإسلامية. 


لقد جمعت مدينة حلب عبر تاريخها الطويل الذي يمتد إلى أكثر  من /7000/ سنة خلت ، مخزوناً ضخماً من التراث العمراني و المعالم التاريخية ، و ما زال هذا التراث قوةً حيويةً  تتفاعل مع نشاطات الحياة اليومية لسكان المدينة . وإن مبنى مديرية أوقاف حلب يعتبر من أقدم وأجمل المباني في هذه  المدينة العريقة والغنية بآثارها .

 

.

المصدر :مديرية أوقاف حلب