جواهر حلب

 

 

 

 

 

التعددية في عاصمة الثقافة الإسلامية

 

 

.

.

تبقى حلب من المدن النموذجية بخلفياتها التاريخية، وتراثياتها، وغناها في مجالات متعددة، وربما هذا هو السبب الذي توقفّت عنده منظمة المؤتمر الإسلامي عندما اختارتها لتكون عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2006.

 

فمنظمة عالمية تحترم نفسها، خاصة وأنها تضمّ عدداً كبيراً من أصحاب الرأي والباحثين والعلماء، لا تستطيع أن تمنح مدينة ما اسماً، أو عنواناً، أو مكانةً، أو دوراً، دون أن تستند على معطيات تبرر قرارها.

.

 

 

فإذا عدنا إلى تاريخ حلب لوجدناه غنياً، لأنّ العصور التي مرّت بها المدينة تبدأ من أيام الأكاديين والآشوريين، وبعض المؤرخين يعيدون جذورها إلى الحثيين. وإذا كان هذا التاريخ القديم غير واضحٍ كلياً، بسبب المصادر التاريخية غير المتوفرة حتى تاريخه أولاً، وللبعد الزمني الفاصل بين نشوئها، ومرورها بمراحل زمنية متعددة ثانياً، وما مرّ عليها من فتوحات وغزوات وكوارث طبيعية وأحداث هامة ثالثاً، ولكن تجدر الإشارة إلى أن المدينة قد ذُكرت في الألف الثانية قبل الميلاد في وثائق (بوغازكوي) من جهة، وفي النصوص البابلية، أي في المعاهدة بين (آشور نراري) و(ماتو إيلو) حوالي عام /750 ق.م/ من جهة أخرى، وكذلك في النصوص المصرية في القرن السادس عشر قبل الميلاد. وبعض المؤرخين يشيرون إلى أن (إرم صوبا) الوارد ذكرها في العهد القديم هي حلب.

 

ولكن عندما نصل إلى القرن الرابع قبل الميلاد، نجد أن الروايات التاريخية تنسب إعادة بنائها إلى سلوقس نيكاتور اليوناني، الذي أطلق عليها اسم (بيروه) أو(بيرويه) وكان يفضّلها كثيراً، وإليه أيضاً يُشير التاريخ في بناء القلعة الشامخة التي هي من أهم رموز ومعالم هذه المدينة. هذا وقد قاست حلب الأهوال عند غزو كسرى الأول لها عام /540 ق.م/.

 

وقبل الفتح العربي دخلت المسيحية إلى حلب. ونظراً لأهمية موقع المدينة وانتشار المسيحية فيها بكثافة، وظهور شخصيات دينية بارزة على مسرحها، اعتبر كرسيها الأسقفي واحداً من أهم الكراسي التابعة للكرسي الأنطاكي، وكانت أنطاكية عاصمة سورية والمركز الأهم للمسيحية في كل الشرق، وقد جلس على كرسي حلب أساقفة ومطارنة منذ نهايات القرن الثالث للميلاد، وبرزت بعض أسماء لأولئك الأساقفة في عالم الفكر والعطاء، وبينهم من تبوأ منصب بطريرك أنطاكية، مثلاً : الأسقف أوسطاثيوس نُقِلَ إلى كرسي أنطاكية سنة /324 م/، واشتهر أقاق بين مطارنة حلب، وغيرهما من الأساقفة الذين أغنوا تاريخ حلب في عطاءاتهم المتنوعة. هذا وعقدت في المدينة ذاتها مجامع كنسية ذات شأن وتأثير في تاريخ كنيسة المشرق.

 

وبعد فتح حلب أي عندما أصبحت تحت ظلّ الحكم العربي، نرى أن مفهوم العيش المشترك والإخاء الديني يبرز في أعلى الدرجات، فأهم نقطة ظهرت في التاريخ بعد الفتح العربي، كان الأمان الذي أعطاه العرب لأهل حلب خاصة على حياتهم، وكنائسهم، ومنازلهم، واحتفظ المسيحيون بخمس كنائس كانت مبنية ومعروفة قبل الفتح العربي، وهنا تتجلى أروع صفحات التلاحم بين أبناء المدينة الذين انتموا إلى الديانتين المسيحية والإسلامية، وعاشوا تحت كنف هذا المفهوم قروناً طويلة. فهذه التعددية التي أصبحت من أهم سمات مدينة حلب رافقت سكانها في كل العهود التي مرّت على المدينة، ولا يمكن أن يتجاهل الإنسان كل هذا التاريخ الغني الذي مرّ على مدينة حلب، خاصةً وأنّ لغات عدّة، وخلفيات تاريخية كثيرة، وشعوب متنوعة، وإدارات سياسية متباينة، وعلاقات مميّزة مع الجوار من ممالك صغيرة، ودويلات نشأت هنا وهناك في المنطقة، وحصل احتكاك مباشر بحضارات وثقافات، وكلّها أثّرت بشكل أو بآخر على هذا التنوع الذي عرفته مدينة حلب، بل أكّدت على أن التعددية في الاثنيات، واللغات، والثقافات، ليست إلاّ مصدر غنى لواقع مدينة حلب، التي مازال يتفاعل فيها هذا التنوع المميز من تاريخها. وكم أثّر هذا التنوع في التعددية في أبناء حلب، إذ نراه حتى اليوم في الغنى بالتراث العمراني، والثقافي، والاقتصادي، والفكري. فحلب لأكثر من سبب أصبحت من أهم المحطات التجارية على طريق الحرير، والمدينة ضمّت كل الأديان قبل المسيحية والإسلام، وعاشت فيها كل الطوائف والمذاهب، وتركت هذه الديانات والمذاهب آثارها في الأوابد والكنائس والمساجد، التي مازالت تشهد على عمق التاريخ المتجذّر في قلوب أبنائها.

 

والذي حصل في بلاط سيف الدولة الحمداني، عندما جمع كبار أعلام الفكر والأدب مثل : المتنبي والأصفهاني والخوارزمي والفارابي، هو الأنموذج الذي عرفته حلب في كل العهود التي مرّت عليها تحت ظلّ الحكم العربي.

 

وقد أصاب ِياقوت الحموي في كتابه الشهير : معجم البلدان، كبد الحقيقة عندما قال : حلب مدينة عظيمة واسعةٌ، كثيرة الخيرات، طيبة الهواء، صحيحة الأديم والماء... وفي قبلي الجبل جبّانة واحدة يسمونها المقام، بها مقام لإبراهيم عليه السلام، وبظاهر باب اليهود، حجر على الطريق يُنذَر له ويُصب عليه ماء الورد والطيب، ويشترك المسلمون واليهود والنصارى فيُقال أنّ تحته قبر بعض الأنبياء. وهذا دليل آخر على تعددية الأديان والمذاهب في مدينة حلب.

 

وفي كتاب : بغية الطلب في تاريخ حلب، الذي صنّفه ابن العديم، نقرأ باباً في ذكر ما بحلب وما بأعمالها من المزارات، وقبور الأنبياء والأولياء، والمواطن الشريفة التي بها مظان إجابة الدعاء. فابن العديم يؤكّّد على أنّ قلعة حلب فيها مقام إبراهيم الخليل، أمّا المقام التحتاني فكان موضعه كنيسة للنصارى إلى أيام بن مرداس، وفي المقام الأعلى رأس يحيا بن زكريا موضوع في جرن من الرخام في خزانة.

فربط المدينة وتاريخها بإبراهيم الخليل، والكنائس، والمساجد، والمزارات بأسماء الأنبياء والأولياء، كل ذلك تأكيد على أن التعددية في الأديان والمذاهب لم تكن حاجزاً بين الإنسان وأخيه الإنسان، بل أن العيش المشترك الذي أصبح واحداً من سمات هذه المدينة نراه يتفاعل ويتجلى في آن في كل العهود. ففي ظل الحكم العربي بدءاً من أيام الخلفاء الراشدين، ومروراً بالأمويين، ثم العباسيين، نرى أن المدينة بتنوع خلفياتها الاثنية، واللغوية، والدينية، المذهبية، تقف معاً من أجل الدفاع عن المدينة من كل التعديات والتحديات التي قد تحصل لها أو عليها. ثم أثناء حروب الفرنجة لم يقف المواطنون من كل الأطياف، والشرائح، والأديان، والانتماءات، والمذاهب، مكتوفي الأيدي تجاه غزوات الفرنجة الذين جاؤوا من أوروبا محتلين، ودخلوا هذه البلاد غزاة، ودمروا أولاً أهم المعالم المسيحية بدءاً من القسطنطينية، ومروراً بالرها، ثم مرعش، وأنطاكية، وحلب، ووصولاً إلى بيت المقدس، وكان على المسيحيين أن يدافعوا مع المسلمين عن كرامتهم ويحموا مدينتهم من الخراب، وهكذا الأمر في عهد الأيوبيين. إلى أن استولى هولاكو على حلب، وقد شهد مطران حلب السرياني يومئذ (ابن العبري) أثار هذا الغزو المغولي الغاشم بقيادة هولاكو حفيد جنكيزخان، وسقوط حلب، ومقتل ما يقارب الخمسين ألفاً من الأهالي بحد السيف، وكان المطران ذاته قد زار هولاكو مستعطفاً لئلا يفتح مدينة حلب عنوةً ويقتل أهلها. ونقرأ في التاريخ أن المسيحيين مع المسلمين تعاونوا في سبيل إبعاد المدينة عن المخاطر، وأن جند التتر أشاعوا الخوف في نفوس الحلبيين وأنزلوا بهم ضروب القسوة ألواناً وأشكالاً. ومجمل القول أن التعددية الدينية والمذهبية في تاريخ مدينة حلب بكل مراحلها، لم تكن عائقاً أمام التلاحم الوطني من جهة، وبث مفهوم الإخاء الديني بين المواطنين من جهة ثانية، وليس هذا فحسب، بل أن مكانة حلب التجارية والشهرة الني نالتها، بأبوابها، وأسواقها، وحماماتها، وأوابدها، وكنائسها، ومساجدها، وبيوتها، وكل آثارها التاريخية، ورجالات الفكر فيها الذين أغنوا المكتبة العربية بأبحاثهم، وكتاباتهم، وقصائدهم، ومآثرهم القلمية التي أغنت المكتبة العربية، كلها دخلت ضمن هذه التعددية التي تنادي بها المدينة، لا بل تؤكد عليها من مبدأ أن اختيار مدينة حلب عاصمة للثقافة الإسلامية، لم يكن بالأمر السهل لولا أن كل هذا الغنى التاريخي، والأبعاد الفكرية، والصناعية، والتجارية، والسياحية، قد شكّلت محطة مهمة من محطات المدينة وما جاورها من المدن. وعندما تمتد الثقافة الإسلامية بكل أبعادها لتشمل عطاءات المسيحيين الذين عاشوا في المدينة قبل الإسلام، وعايشوا أخوتهم المسلمين قروناً طويلة، وامتدت أياديهم في كل مجالات التعاون من خلال عطاءاتهم المتنوعة، وتركوا بصمات في كل المجالات المذكورة، دون أن ننسى صفحة النضال المشتركة، سيما أيام الانتداب وقبله، خاصة أثناء حروب الفرنجة، كل هذا يؤكد على أن حلب كما كانت في الماضي أنموذجاً للتعددية الدينية، والثقافية، واللغوية، والاثنية وهكذا اليوم تبقى الأنموذج الحي لهذا المصير المشترك الذي يجمع بين أبناء الوطن الواحد.

 

وحلب كعاصمة للثقافة الإسلامية تفرح وتبتهج اليوم، لأنها تقدم رسالة مفتوحة إلى كل المجتمعات، معلنة أن التعددية الثقافية هي كنز من كنوز الإنسانية.

 

 

 

بقلم : المطران يوحنا إبراهيم

 المصدر : موقع سيريا نيوز