جواهر حلب

 

 

 

 

 

 

الجلاء ج2

 

 

الفرنسيون يرضخون للمطالب الوطنية

بعد تزايد الضغوط الوطنية و الضغوط الانكليزية ..قبل الفرنسيون أن يسلموا المصالح المشتركة بين سوريا و لبنان مع حق التشريع والإدارة  للحكومة السورية ، و المصالح المشتركة هي : النقد والجمارك والإعاشة ( و هي الهيئة التي كانت تحتكر شراء القمح من الشعب السوري و توزع عليهم المواد التموينية بالبطاقات )

خرجت الجماهير للشوارع في فرحة عارمة ابتهاجا باستلام هذه الصلاحيات مما أعتُبر خطوة على طريق تحقيق الاستقلال الفعلي .

 

في 26/12/1943 أقيمت في حلب منصة أمام القلعة و سارت الجموع منطلقة من أمام مدرسة التجهيز ( المأمون ) في الجميلية باتجاه القلعة و السرايا الحكومية .

 

 

 

محافظ حلب إحسان الشريف أمام قلعة حلب  يستعرض مظاهرات الفرح باستلام الصلاحيات

خلال عام 1944 سلمت إدارات الانتداب المصالح الحكومية تدريجياً للإدارات السورية الناشئة ماعدا إدارة القطاعات العسكرية .

مع حلول عام 1945 بدت بوادر انتهاء الحرب العالمية الثانية بخسارة ألمانيا ودول المحور الحرب .

 

وبدأ السوريون يطالبون بتشكيل جيشهم الوطني وبخروج الجنود الفرنسيين من سوريا . ولكن سلطات الانتداب أصرت على إبقاء قوات خاصة تابعة لها على الأراضي السورية .

 

طلاب المدارس يتوجهون نحو السرايا الحكومية في مظاهرات الفرح باستلام الصلاحيات

مظاهرات حرق الثقافة الفرنسية

 

قامت الحكومة السورية باعتماد ساطع الحصري مستشارا لتغيير نظام التعليم الفرنسي المعتمد في سوريا حينها و الذي كان يتقدم فيه الطالب إلى ما يسمى شهادة البكالوريا الأولى مباشرة بعد الصف العاشر و إذا حصل على شهادة البكالوريا الأولى يحق له التقدم لشهادة البكالوريا الثانية قرر ساطع الحصري دمج فحصي البكالوريا الأولى و الثانية في فحص واحد عام متخلياً عن نظام التعليم الفرنسي  مما اعتبرته  سلطة الانتداب محاولة معادية لدورها في نشر الثقافة الفرنسية .

 

لاقى هذا النظام التعليمي الجديد قبولاً كبيراً بين الطلاب لمجرد أنه مخالف للنظم الفرنسية و تطور الوضع إلى مظاهرات طلابية شعبية ضد فرنسا في  بداية عام 1945 .

 

روى لي القاضي المتقاعد سعد زغلول الكواكبي ( من مواليد عام 1924 ) الذي حضر و صور خروج الطلاب في حلب في مظاهرات عارمة  .

 

تجمعوا في الساحة الواقعة على تقاطع شارع القوتلي مع شارع بارون أمام سينما أمبير ( سميت سينما فؤاد لاحقاً ) و شكلوا نصباً رمزيا للثقافة الفرنسية و قاموا بإحراقه و رموا الكتب الفرنسية فيه معلنين مقاطعتهم للثقافة الفرنسية .

تزعم الطلبة عبد الفتاح زلط الذي خطب فيهم من على شرفة السينما المطلة على الساحة

 

رد الفرنسيون باستعراض قواتهم العسكرية ملوحين باللجوء إليها وتدخل البريطانيون ناصحين الأطراف بالاعتدال .

 

حاول المندوب السامي الفرنسي فرض معاهدة جديدة على الحكومة السورية تتعلق بالحفاظ على الرسالة الثقافية الفرنسية والاحتفاظ بالمواقع العسكرية في البلاد،  فرفض السوريون هذه المعاهدة رفضاً باتاً .

 

طلاب المدارس في حلب يحرقون نصب رمزي للثقافة الفرنسية

عبد الفتاح زلط يخطب بالطلاب من على شرفة سينما أمبير في حلب

في شباط عام 1945 قرر النواب السوريون شراء السلاح حتى ولو عن طريق التهريب، وإنشاء نواة للجيش وتسليحه ، ومنح الحكومة السورية صلاحية دعوة ضباط الجيش السوريين الموجودين في جيش الشرق التابع للفرنسيين للالتحاق بالجيش الوطني السوري.

 

انتهاء الحرب العالمية الثانية و محاولة الفرنسيين إنزال المزيد من القوات

 

ربيع عام 1945 انتهت الحرب العالمية الثانية وسارعت فرنسا إلى إرسال بعض القوات إلى سوريا قوامها حوالي ألف و خمسمائة جندي نزلوا في بيروت في السادس من أيار عام 1945 لدعم القوات الفرنسية الضئيلة التي كان عددها لا يزيد عن 6000 ألاف جندي فرنسي وسنغالي ( على اعتبار أن السنغال كانت إحدى المستعمرات الفرنسية ) .

 

كان الهدف من الإنزال الفرنسي قمع الحركة الوطنية التي بدأت بالتصاعد  .

 

رفضت الحكومة السورية إنزال الجنود الفرنسيين واحتجت بقوة واعتبرت أن ذلك العمل يسيء إلى استقلال سوريا . وسارع رئيس الوزراء البريطاني تشرشل بتوجيه رسالة إلى ديغول طالباً منه عدم إرسال هذه القوات طالباً تسليم القوات المحلية السورية (جيش الشرق) للحكومة الوطنية .

 

أعلمت فرنسا الحكومة السورية أنها مستعدة لتسليم هذه القوات بشرط إعطائها قواعد جوية مناسبة والمحافظة على حقوقها التاريخية وأن يكون الجيش الوطني السوري تحت قيادة عليا فرنسية .

 

رفض السوريون الشروط الفرنسية وأعلن مجلس النواب فتح باب التطوع للدفاع عن الوطن، فتدافع الناس للتطوع وفي مقدمتهم عدد من النواب و طلاب الجامعة و الثانويات  .

 

مجلس الأمن يصدر قراراً باستقلال سوريا

 

في 8 أيار 1945 طالب الوفد السوري الذي يرأسه فارس الخوري مجلس الأمن بإعلان استقلال سوريا و صدر القرار بإعلان الاستقلال . و كان رد الفرنسيون أنهم مستعدون للاعتراف بقرار مجلس الأمن بشرط البدء بمفاوضات لعقد معاهدة تمنح امتيازات خاصة لفرنسا ، رفض مجلس النواب هذا الطلب ووجهت الحكومة الوطنية رجالها لتعبئة الأهالي و تجهيزهم بالسلاح .

 

روى لي الأستاذ محمد السيد ( من مواليد عام 1924 ) الأحداث التالية و قد شاهد و شارك فيها  : أن قائمقام منطقة جسر الشغور و هو الأمير عبد الله التامر من أهالي السلمية قام بالطواف على قرى منطقة جسر الشغور يحضهم على حمل السلاح استعداداً للتحرير في 15 أيار 1945 .

 

و استطاع إقناع قسم من حامية كفرتخاريم ( من الضباط السوريين ) بالانسحاب من جيش الشرق الذي يقوده الفرنسيون و الانضمام للحكومة الوطنية .

 

ما لبثت أن بدأت المناوشات بين الأهالي و القوات الخاضعة للجيش الفرنسي في تلك المنطقة و نشبت معركة عنيفة في المنعطفات المعروفة بين جسر الشغور و اللاذقية و تمكن المتطوعون و رجال الدرك البواسل من تدمير أربع شاحنات عسكرية و قتل أربعة عشر جندياً منضما للفرنسيين .

 

حوصرت حامية جسر الشغور الفرنسية ، و استطاع الأمير عبد الله التامر الذي كان مشهوراً بدقته في التصويب في إصابة قائد الحامية و نجح المجاهدون في إصابة المستشار الفرنسي و تدخلت القوات الانكليزية لإخراج الجنود الفرنسيين المحاصرين .

 

ثم توجه المجاهدون إلى إدلب و استسلمت حاميتها فوراً بعدما اقتحم الأهالي السرايا الحكومية فيها و استطاع شاب من آل نعمة قتل الضابط الفرنسي الموجود في السرايا برميه من شرفتها حيث لقي حتفه .

 

خلال هذه الأحداث تزايد عدد الضباط و الجنود السوريين المنسحبين من جيش الشرق و المنضمين لقوات الحكومة الوطنية ففي جسر الشغور التحق بالثوار المجاهدين الضابطان محمد دياب من أهلي السلمية الذي تولى منصب مدير شرطة حلب لاحقاً و فؤاد أسود من أهالي حماه.

 

أما في حلب فقد قام أربعة عشر ضابطاً سورياً من ضباط جيش الشرق الذي يقوده الفرنسيون بالقفز من أعلى سور قشلة الترك ( ثكنة هنانو حالياً ) من ارتفاع يزيد على اثنى عشر متراً للالتحاق بالوطنيين معرضين نفسهم لخطر إطلاق النار عليهم من الفرنسيين لفرارهم من الخدمة لديهم ، و كسرت رجل أحدهم بعد تلك القفزة ، و كان منهم المرحوم اللواء نعيم الوفائي الذي روى تلك الحادثة .

 

كما اجتاز الضابط بهيج كلاس من أهالي حماه ( ابن عم طبيب القلبية الشهير جوزيف كلاس ) سور الثكنة الحمراء في حلب و التحق بالوطنيين ،تولى هذا الضابط منصب نائب رئيس أركان الجيش السوري لاحقاً.

 

روى لي العميد عادل ميري ( من مواليد عام 1921) و كان ملازما في الدرك حينها أنه تكلف مع زملائه بجمع الضباط و الجنود السوريين المنسحبين من جيش الشرق الفرنسي و حمايتهم في مناطق عين العرب و الأرياف الشمالية لأنهم كانوا معرضين للمطاردة من القوات الفرنسية لإعدامهم بسبب هروبهم من الجيش ، و معرضين في ذات الوقت للمهاجمة من قبل الأهالي لأنهم كانوا يهاجموا كل من يرتدي زي الجيش الفرنسي .

 

الفرنسيون يقررون إبادة المقاومة الوطنية

 

رد الفرنسيون على مقررات مجلس النواب و على هجمات المقاومة  بأن أصدر الجنرال أوليفا روجيه قائد الجيش الفرنسي في المشرق  بلاغاً يطلب فيه من جيش الشرق إبادة جميع العناصر المطالبة بإخراج فرنسا، واحتلال دوائر الحكومة السورية، وتجريد الشعب السوري من الأسلحة خلال 48 ساعة .

 

  

الجنرال الفرنسي  أوليفا روجيه الذي أمر بقصف البرلمان السوري

فوراً طلب القائد العام للجيش البريطاني التاسع المتواجد في مصر من الجنرال الفرنسي روجيه تجنب الأعمال الاستفزازية التي تقوم بها القوات الفرنسية ،كما طالب السفير البريطاني في باريس تهدئة الوضع ، وكان جواب ديغول الرفض .

 

يفسر ديغول هذا الرفض في مذكراته قائلاً  : ( كنت مقتنعاً بتآمر البريطانيين مع السوريين ولن نرحل عن سوريا إلا إذا كنا مجبرين ونحن مستعدون لمقاتلة السوريين والإنكليز معاً ).

 

الفرنسيون يقصفون البرلمان و الأحياء الدمشقية

 

كانت الخطة الفرنسية هي ضرب مجلس النواب السوري وقتل من فيه من وزراء ونواب لإحداث فراغ دستوري يسمح للفرنسيين أن يعينوا وزراء ونواب مواليين لهم، وضرب قوات الشرطة والدرك السوريين الذين بدأو بتشكيل نواة جيش وطني سوري .

 

روى المرحوم الشرطي علاء الدين الشيشكلي في رواية منفردة أن المقاومة الوطنية في حماه أردت ضابطاً فرنسياً و عثرت في جيبه على أوامر و تفاصيل خطة  هجوم على مجلس النواب أثناء انعقاد جلسة المجلس في يوم 29 أيار .

 

سارعت المقاومة إلى إبلاغ رئيس مجلس النواب السوري في دمشق بهذه الخطة و لم أستطع العثور على مرجع تاريخي موثق يحدد الطريقة الفعلية التي عرف بواسطتها رئيس مجلس النواب سعد الله الجابري بالنوايا الفرنسية .

 

و لكنه قرر فجأة إلغاء جلسة المجلس في الساعة الخامسة مساءًا و قام بإخلاء مبنى مجلس النواب من النواب والوزراء ، و بقي مبنى المجلس في حراسة  قوة من الدرك مؤلفة من ثلاثين دركياً .  كان الدرك مسلحين بالأسلحة الفردية الخفيفة .

 

لم يتوقع أحد أن يهاجم الفرنسيون البرلمان بالأسلحة اعتقادا منهم يتقيد الفرنسيين بالحصانة البرلمانية التي يتمتع بها هذا المبنى و من فيه .

 

مذبحة البرلمان السوري

 

وفي الساعة السادسة وخمسين دقيقة مساءً عند إنزال العلم الفرنسي طالب الجنود الفرنسيون المتواجدون في دار المندوبية التي كانت تقع أمام مبنى مجلس النواب بأن يقوم الدرك السوري بتحية العلم الفرنسي أثناء إنزاله من على مبنى دار المندوبية.

 

في ظل تصاعد المشاعر الوطنية التي كانت تعم البلاد حينذاك ، رفض الدرك السوريون تحية العلم الفرنسي ففوجئوا بالقذائف المدفعية و الطلقات الرشاشة تنهال على مبنى البرلمان ، و المدرعات الفرنسية تحيط به ،أقتحم الجنود الفرنسيون و السنغاليون مبنى البرلمان بعدما قاتل الدرك السوريون  حتى نفذت ذخيرتهم الخفيفة وقاموا بقتل جميع من فيه ، نجا اثنان فقط من الدرك بعد إصابتهم بجراح جسيمة الأول هو إبراهيم الشلاح من دمشق و الثاني هو الضابط محمد سمونة من أهالي حلب .

 

روى لي العميد عادل ميري زميله في قوات الدرك حينها، أنه التقى محمد سمونة بعدها و روى له وقائع المجزرة و أنه قاتل حتى نفذت ذخيرته فصعد إلى سطح المبنى و اختبأ في برميل فارغ فلم يلحظه المهاجمون و لم يصب بجراح ، وروى العديد من البطولات التي قام بها الدرك .

 

منها دفاع الرقيب برهان باش إمام المستميت حتى الموت عندما تكاثر عليه المهاجمون السنغال و نفذت ذخيرته فقاموا بضرب عنقه بساطور من الخلف فطار الرأس و بقي الجسد واقفاً حتى سقط ، و كان الشهيد معروفاً بضخامة جسمه و فتوته .

 

 

قائد الدرك السوري الزعيم هرانت مالويان

كما انهالت القذائف المدفعية و قنابل الطائرات  على أحياء دمشق مسببة الخراب والدمار للأحياء السكنية و المدارس و المشافي .

 

تولى قيادة الدرك الزعيم ( و هي رتبة تعادل رتبة العقيد الحالية ) هرانت بك مالويان المشهور بوطنيته و جرأته و رباطة جأشه ، و كانت قوات الدرك هي القوات المسلحة الوحيدة التي تملكها الحكومة الوطنية ، استطاع هذا القائد الحفاظ على معنويات رجال الدرك السوري و قيادتهم للصمود في وجه هذا العدوان الفرنسي الشرس ، فقاوم الدرك و لم يلينوا أمام هذا القصف الفرنسي من قوات تفوقهم عدداً و عدة .

 

 

مصادر الصور :

 

صور مظاهرات استلام الصلاحيات وحرق الثقافة الفرنسية  التقطها القاضي المتقاعد سعد زغلول الكواكبي بكاميرته الخاصة .

 

 

يتبع ......

 

 

المحامي علاء السيد – عكس السير