جواهر حلب

 

 

 

 

 

 

الجلاء ج1

 

خاض الشعب السوري منذ دخول الجيوش الفرنسية الأراضي السورية العديد من الثورات المسلحة بدءاً من ثورة الشيخ صالح العلي، انتقالاً لثورة الزعيم إبراهيم هنانو، وصولاً إلى الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش و غيرها من ثورات عديدة ، ثم انتقل النضال في سبيل الاستقلال لمرحلة النضال السياسي  بعدما فشلت الحكومات المتعاونة مع الانتداب الفرنسي في كسب التأييد الشعبي وتصاعد المد الوطني في مواجهة الانتداب وأعوانه .

 

 

الإضراب الستيني

 

في عام 1935 م دعا الزعماء الوطنيون إلى إضرابٍ عامٍ في جميع الأراضي السورية طلباً لإعلان الاستقلال ،  وكان إضراباً رائعاً امتد ستين يوماً  .. الذي عاش تلك الأيام ، لابد أن يتذكر بإعجاب تلك المناظر الرائعة وقدور الطعام منتشرة في الشوارع يغذيها أهل الأحياء، كل حسب طاقته، باللحم والأرز .. كلما نقصت، ليأكل منها من عطله الإضراب عن كسب قوت يومه. أغلقت المدارس و المحلات التجارية و قاطع الأهالي كل ماله علاقة بالسلطة الفرنسية لدرجة أنهم امتنعوا عن استعمال الكهرباء الذي تنتجه الشركة الفرنسية .

 

 

الوفد الوطني يفاوض الحكومة الفرنسية

 

بعد عام واحد قرر المفوض السامي الفرنسي " ديمارتيل " مفاوضة الزعماء الوطنيين للشعب السوري وتم الاتفاق على إرسال وفد لباريس لكي يفاوض الحكومة الفرنسية لإعلان استقلال سوريا برئاسة هاشم الاتاسي وعضوية فارس الخوري وجميل مردم وسعد الله الجابري ومصطفى الشهابي وإدمون الحمصي ونعيم إنطاكي وأحمد اللحام ، سافر الوفد بالقطار إلى فرنسا ماراً بالمدن السورية وودعه الشعب في حلب  بمظاهرات تأييد عارمة . 

استغرق الأمر ستة أشهر من المفاوضات ليستطيع الوفد الاتفاق مع الحكومة الفرنسية برئاسة رئيس الوزراء الاشتراكي  ليون بلوم ، وتم التوقيع على معاهدة الاستقلال في 9 أيلول من عام 1936 .

 

 

تنص المعاهدة على الاعتراف باستقلال سوريا ولكن مع وجود بعض الشروط التي تربط سوريا بفرنسا ،اشترطت المعاهدة أن يصادق عليها مجلس النواب السوري ومجلس النواب الفرنسي معاً .

 استقبل الوفد السوري العائد من فرنسا بالقطار واصلاً إلى حلب في طريقه إلى دمشق استقبال الأبطال بعدما اعتبر الأهالي أنه أنجز معاهدة الاستقلال .

 

معاهدة الاستقلال

 

قام مجلس النواب السوري مباشرة بالتصديق على المعاهدة وصدرت بقانون بتاريخ 27 /12/1936 و كشفت دولة الانتداب عن حقيقة أهدافها من هذه المعاهدة عندما رفضت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الفرنسي التصديق على المعاهدة و لم تقم بعرضها على مجلس النواب الفرنسي .

 

تبين أن الهدف هو المماطلة وإعطاء جرعات مهدئة للشعب السوري لتهدئة مشاعره الوطنية ولم يكن الهدف من استقبال الوفد إعطاء سوريا استقلالها .

 

استمرت المماطلة الفرنسية بعرض المعاهدة على مجلس النواب الفرنسي، و استمرت مطالبة القوى الوطنية في سوريا بتطبيق هذه المعاهدة إلى أن بدأت بوادر الحرب العالمية الثانية بالظهور وتمت إقالة الحكومة الوطنية ، واستقال الرئيس هاشم الأناسي مع بداية الحرب فشكلت دولة الانتداب حكومة مديرين تابعة لها .

 

الحرب العالمية الثانية

 

بدأت الحرب العالمية و هاجمت ألمانيا النازية الأراضي الفرنسية لتسقط باريس في 15 حزيران في عام  1940،وقعت الحكومة الفرنسية هدنة مع ألمانيا ،وتولت الحكم حكومة فرنسية موالية للألمان .

 أعلنت القوات الفرنسية الموجودة في سوريا أنها تابعة لهذه الحكومة التي سميت بحكومة فيشي وقرر الجنرال الفرنسي ديغول الهروب إلى بريطانيا وإعلان التمرد على حكومة فيشي وتزعم جيش تحرير و إعلان حكومة باسم حكومة فرنسا الحرة .

 

أدرك ديغول أن منطقة الشرق الأوسط ( مصر- سوريا- لبنان ) سيكون لها شأن استراتيجي مهم في الحرب  ما بين الإنكليز و الألمان ،فاستغل الأمر وألح على البريطانيين دعم قواته للدخول إلى سوريا ولبنان وطرد الفرنسيين التابعين لحكومة فيشي.

  

يقول ديغول في مذكراته :(كانت قواتي مؤلفة من حوالي ستة آلاف جندي بينما كانت القوات الفرنسية الموالية للألمان في سوريا ولبنان حوالي ثلاثين ألف جندي تساندهم قوات محلية سورية ولبنانية .طلبتُ الدعم من الإنكليز فوافقوا وأمدوني بالقوات ، كنت مقتنعاً أن انتدابنا على سوريا ولبنان لن يدوم وكنت أرغب في المصادقة على معاهدة عام 1936 باستقلال سوريا فور انتهاء الحرب أدركت أن الساسة الإنكليز كانوا يريدون أن تحل دولتهم محل فرنسا في سوريا ولبنان) .

  

وصول الجنرال ديغول لدمشق

 

استطاعت قوات ديغول المدعومة من القوات الإنكليزية الانتصار على قوات فيشي ودخلت قواته دمشق في 21 حزيران من عام 1941 .قابل ديغول الزعماء الوطنيين السوريين ولكنه فوجئ بتمسكهم الشديد بوطنيتهم ومطالبتهم الفورية بإعلان استقلال سوريا ،وأدرك هؤلاء الزعماء أن الاستقلال الذي يعرضه ديغول هو استقلال صوري .

 عاد الفرنسيون إلى الشيخ تاج الدين الحسني المعروف بتعاونه مع الفرنسيين ليعينوه رئيسا للجمهورية السورية في 12 أيلول عام 1941 .

 كما عين ديغول الجنرال كاترو مندوباً فرنسياً عاماً ومفوضاً مطلق الصلاحية في بلاد المشرق فقام كاترو بتاريخ 27 أيلول عام 1941 بإصدار بيان أكد فيه اعتراف حكومة فرنسا الحرة بسوريا دولة مستقلة ذات سيادة ، ولكن بشرط أن تخضع حقوقها وامتيازاتها للقيود التي تفرضها حالة الحرب الحاضرة وأمن البلاد وسلامة الجيوش المتحالفة .أي أن هذا الاستقلال معلق إلى حين انتهاء الحرب العالمية الثانية .

  

المقاومة الوطنية تهاجم الفرنسيين

 

بدأ البريطانيون بتحريض السوريين على المطالبة بحقوقهم الأساسية وتحقيق استقلالهم الفعلي، و حصلت العديد من حوادث مهاجمة القوات الفرنسية من الأهالي بمباركة من القوات الانكليزية ففي حلب مثلا (كما روى لي الأستاذ محمد بن الحاج صالح هلال الذي حضر هذه الأحداث وهو من مواليد عام 1922 ) كان الانكليز يحضرون سيارات شاحنة محملة بالأسلحة الخفيفة من بنادق و مسدسات و ذخائر و يتركونها في الشارع متظاهرين بالانشغال عنها و يغضون النظر عن قيام الأهالي بحمل تلك الأسلحة لتسليح أنفسهم .

 

بدأ الأهالي بمهاجمة القوات الفرنسية علناً ففي شارع خان الحرير قام أحد المواطنين بضرب ضابط فرنسي بعصا غليظة و أرداه أرضاً ، كما قام مواطن آخر بركوب الترام في منطقة باب الجنين حاملاً (نصف جبسة ) و استطاع وضعها في وجه ضابط فرنسي كان سائراً على قدميه. 

و عندما طلب الضباط الفرنسيون حماية من الجنود الإنكليز قام أحد المواطنين بطعن ضابط فرنسي في منطقة العزيزية و كان مخفوراً باثنين من الجنود الإنكليز اللذين شاهدا الهجوم و لم يكترثا بالضابط الفرنسي و استمرا بالسير قائلين بالانكليزية ( إلى جهنم ) .

 

تزايدت الضغوط على الجنرال كاترو فأصدر بتاريخ 25 آذار عام 1943 قراراً بإجراء الانتخابات الدستورية في البلاد لانتخاب مجلس نواب ورئيساً للجمهورية .

 

 

المظاهرات الجماهيرية المطالبة باستلام المصالح المشتركة  من الانتداب الفرنسي و تشكيل الجيش الوطني.. في ساحة سعد الله الجابري في حلب

 

الطلاب يتظاهرون أمام فندق بارون مطالبين بتشكيل الجيش الوطني

الكتلة الوطنية تشكل الحكومة

 

فازت قوائم الكتلة الوطنية بالانتخابات واجتمع مجلس النواب وانتخب فارس الخوري رئيساً لمجلس النواب كما انتُخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية وعُهد إلى سعد الله الجابري بتشكيل الوزارة .

فور تشكيل الحكومة أعلن رئيس الوزراء سعد الله الجابري أن الانتداب لم يعد سارياً وأن السلطات ينبغي أن تعود للحكومة السورية وحدها . 

وبسبب ظروف الحرب رفض الفرنسيون والإنكليز تكوين جيش وطني سوري مستقل وتم الاتفاق على تشكيل هذا الجيش عند انتهاء الحرب على أن تكون هناك معاهدة خاصة بين سوريا وفرنسا بعد انتهاء الحرب يكون بموجبها لفرنسا مزايا خاصة على الأراضي السورية.. خرجت المظاهرات الوطنية في الشارع السوري تردد شعار ( ما في عيش بلا جيش ).

 

 

المتاريس التي أقامها الأهالي في شارع جادة الخندق لمنع المدرعات الفرنسية من مهاجمة المظاهرات

متاريس جادة الخندق كتب عليها يسقط ديغول

مصادر الصور :

 

صور وداع واستقبال الوفد من أرشيفي الخاص ، أما صور مظاهرات المطالبة بتسليم المصالح المشتركة فهي بكاميرا القاضي سعد زغلول الكواكبي

 

 

يتبع...

 

المحامي علاء السيد - عكس السير