صناعة الذهب والفضة

 

 

صناعة الذهب والفضة

 

 

 

أن حلب أقدم مدينة في العالم وعبر العصور كانت مركزاً مهماً لتجارة الذهب واستفادت من كونها ممراً على طريق الحرير، ففي عام 1640 يذكر التاريخ أن تجارة الذهب وصلت إلى أعلى المستويات والدرجات في المدينة، وفي حلب الكثير من الواجهات التجارية أو يبلغ عدد المحلات أكثر من سبعمائة محل في المدينة والريف تنشط المبيعات فيها صيفاً وتقل شتاء، وعندما تأتي الوفود إلى حلب، وترى واجهات الذهب فيها مئات الكيلوغرامات خلف الزجاج، يعد ذلك أثراً كبيراً على وجود الأمان وقوة الاقتصاد والإبداع اليدوي، فالذهب الذي يجمع القوة الاقتصادية والذوق الرفيع والتاريخ العريق والفن كلها تجدها في الذهب.

 

ليس هناك تاريخ محدد بدقة لبدء حرفة صياغة الذهب، وإنما هذه الحرفة بدأت في بداية القرن العشرين بتصنيع المباريم وصناعة الكوردون والخواتم ومن ضمنها صناعة كسر الجفت، وتطورت الحرفة أكثر عندما دخلت ماكينات الصب إلى حلب ما أعطى إنتاجاً أكبر، فالورشة التي كانت تصوغ 2 كيلو ذهب أصبحت تصوغ ما بين 20 – 25 كيلو غرام ذهب مشغول، ثم تطورت المهنة باستخدام آلات أحدث ودخلت الملامح الفنية وتطعيم الذهب بالأحجار الكريمة ونصف الكريمة، في بداية التسعينيات ظهر حجر الكريستال (زيركون) وهو حجر رخيص يعطي بريقاً ولمعاناً، وهذا التداخل والتطعيم استفاد منه الصياغ من خلال شغل الكثير من الموديلات التي اشتهرت بحلب.

 

كان الحلبيون كغيرهم يدخرون الذهب وخاصة الليرات الذهبية وفي الماضي تقاس 50 ليرة فضة تساوي ليرة ذهب و50 ليرة نحاس تساوي ليرة برونز، وكان الناس في السبعينيات مثلاً تشتري ليرات الذهب على مبدأ (خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود) ثم انتقل الناس لشراء الأساور بين 16 إلى عشرين غرام (سحبات) بسبب قلة صياغتها التي تراوحت ما بين 150 – 250 ليرة سورية، والسحبات حلت محل ليرات الذهب وجمعت ما بين الزينة والادخار بينما كانت الليرات الذهبية للادخار فقط والاكتناز .

 

حسب توقعات و تقديرات اتحاد الجمعيات الحرفية، فهي التي تختم المصوغات بختمها وتعايرها، ينشغل يومياً بحلب 25 كيلو غراماً وعلى مستوى سورية بين 60 – 70 كيلو غراماً يومياً بينما يشكل ذلك سنوياً نحو 21 طناً من الذهب على مستوى سورية حصة حلب منها بين: 8 -9 أطنان سنوياً، وسابقاً كانت المحلات تتركز في قلب المدينة سوق الصاغة الذي يشمل عشرات المحلات، ثم انتشرت في باقي الأحياء حتى وصلت إلى الأحياء الفقيرة أيضاً مع مرور الزمن .

 

بدأ عدد العمال بالتقلص وإن عدد حرفيين لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة والبيع أقل بكثير من الماضي والمؤشر على ذلك كميات الذهب التي تأتي إلى الجمعية لختمها، فالعمال الذين يعملون في الأختام ينصرفون الساعة الحادية عشرة ظهراً بينما كانوا ينصرفون عند الساعة الثالثة بعد الظهر في أيام العمل.

 

تعد دبي ثاني دولة في العالم بعد إيطاليا في تصنيع وتصدير الذهب، وإن أغلب المصنعين والمهرة هناك من حلب إضافة إلى أن تركيا تصدر بمليارات  الدولارات، وإن المعارض التي تقام محلياً تهدف إلى الترويج لمنتجاتهم بينما منتجاتنا المحلية عاجزة حيث أدخلت تلك الدول قوالب صناعية حديثة لهذه المهنة ما وفر الجهد والمال وزاد من إنتاجهم في حين افتقرت حلب إلى استخدام القوالب الحديثة بسبب القيود التجارية التي ساهمت في تخفيف الطلب ، ناهيك عن الظروف الاقتصادية، وبالتالي بقيت حلب مهنياً في التصنيع الحرفي اليدوي.

 

 

كما ذكرنا من ضمن الصناعات صناعة  كسر الجفت.. فهي مهنة تراثية عريقة قوامها الفضة وتقتصر على ثلاث دول في العالم منها سورية و المشغولات الفضية أو كسر الجفت إحدى أعرق وأشهر الحرف اليدوية التي اشتهرت بها مدينة حلب ومع ارتفاع أسعار الفضة تراجع الطلب عليها إلا أنها حافظت على زبائنها الهواة الذين تذهلهم دقة التصنيع وجمال التصميم.

 

هذه الحرفة تعتمد على أدوات بسيطة وقليلة أهمها ملقط فولاذي أبيض يدعى الجفت ومادة أولية من الفضة الخام تذاب بأفران خاصة وتصب في قوالب للسحب تدعى ريزك ويستعان بمكائن سحب (سلندر) مهمتها تخفيف سماكة اللوح أو التيل المسحوب بحيث يصبح قطره رفيعا ليأتي بعدها دور آلة الرج أو الحداية لتصغير قطر التيل إلى الحجم المطلوب وبأقطار تتراوح بين 24 - 200 ديزيم أي ما يعادل قطر الشعرة الواحدة من شعر الإنسان .

إلا أن الأقطار العريضة تستخدم كهيكل أساسي للقطعة المراد شغلها بقصد إعطاء الموديل أو النموذج المطلوب بينما تستخدم الرفيعة كحشوة باعتماد مبدأ السلكين الملفوفين المزدوجين ويدعى(لف بورما) مع إجراء عملية التبسيط باستخدام الجفت بحيث يتمكن الحرفي بمهارته الفنية من إعطاء شكل الزخرفة الداخلي(التحشاية).

 

أنه بعد ذلك يتم لحم القطعة ببرادة الفضة مع رشها بمادة بورا المؤلفة من ملح الطعام والصودا لتأمين السهولة والسرعة والجودة والحيلولة دون تأثير أو ذوبان الزخرفة الدقيقة للقطعة المشغولة وصولا إلى مرحلة التبييض التي تعتمد على مزيج من الماء وحمض كلور الماء المسخن حتى درجة الغليان ويعطي تغطيس القطعة في هذا المزيج لونا فضيا لامعا لافتا إلى أنه في المرحلة الأخيرة يستعان بفرشاة ذات اوبار نحاسية لتنظيف القطعة بشكل نهائي من كل بقايا الأسيد العالقة وإعطائها لمعة إضافية لتصبح جاهزة للعرض

 

أن القطعة المشغولة تحتوي بشكل أساسي على الفضة الخام عيار100 وأسلاك نحاسية بنسبة 30 بالمائة لأن الفضة معدن طري وبحاجة لمعدن آخر أكثر قساوة لإعطاء القطعة الفضية متانة وجودة. وتنوع المشغولات بحيث يستطيع الحرفي عمل الحلي النسائية والصحون والشمعدانات وعلب الضيافة وإطارات اللوحات والساعات وتجسيد أشكال وزخارف نباتية وحيوانية متعددة..

 

توجد 10 ورش مختصة بكسر الجفت تؤمن فرص عمل لحوالي 180 حرفيا.
و أن ندرة وعراقة حرفة كسر الجفت التي تقتصر على سورية وأرمينيا وتركيا دفع اتحاد الجمعيات الحرفية في مدينة حلب إلى تنفيذ مشروع يهدف لحفظ بعض الحرف اليدوية المهددة بالانقراض وهي حرفة كسر الجفت والنقش على النحاس والمجوهرات التقليدية والدق والطرق على النحاس .

 

 

 

تاريخ النشر: 2020-02-21