الصناعات القديمة ج1

 

 

الصناعات القديمة في حلب

 

إن موقع حلب الجغرافي الهام على بوابة ثلاث قارات أهلها لتحتل المركز التجاري الأهم في العالم القديم حيث يتم تبادل السلع والمواد فيها بين الشرق و الغرب ومن أسواق الإنتاج إلى أسواق الاستهلاك، وقد وفر ذلك لحلب ليس تبادل السلع والمواد فقط بل وفر لها المقومات الضرورية لصناعات عديدة اشتهرت وتفوقت حلب فيها على امتداد عشرات القرون وقد سجل معظم الرحالة في كتبهم الكثير عن تفوق الصناعات الحلبية .كمان إن بقاء حلب على امتداد 2500 عاما متمتعة بصفة المركز التجاري الأهم في إمبراطوريات عديدة متعاقبة ومترامية الأطراف لا حواجز بينها ، تسهل حركة القوافل منها واليها ، وقد سجل تشيسني ، صاحب مشروع الملاحة الفراتية من سورية إلى الخليج العربي في القرن التاسع عشر بأن ست قوافل كانت تنطلق من حلب إلى بغداد سنوياً وكان أكبرها مؤلفا من 12 ألف جمل أصغرها من ستة آلاف جمل .

 

ليس من العسير على أيٍّ كان، زائراً كان أم سائحاً، التعرّف والإطلاع على كافّة الصناعات التي تشتهر بها مدينة حلب، إذ تكفي زيارة قصيرة لأحد الخانات الأثريّة ليجد أسواقاً احتفاليّة تُعرَضُ فيها نماذج الصناعات الحلبيّة القديمة منها والمُستَحدَثة، بل وحتّى المنقرضة. وإذا كان البحث في بطون الكتب والنبش بين المجلاّت والمقالات عن مواد تفيد القارئ الكريم عن هذا المجال غير مُجدٍ فما عليه سوى قراءة ذاك الفصل الذي أفرده مؤرخنا محمد كامل الغزّي من كتابه "نهر الذهب في تاريخ حلب" تحت عنوان "صنائع مدينة حلب"، ليرى كلاماً عن العديد من الصناعات منها ما ألفه، ومنها ما سيستغربه. ورغم أنّ الغزّي نسي إيراد بعض الصناعات إلاّ أنّ حديثه كافٍ لينقل القارئ إلى ذاك العالم المجهول، وذاك بما أوتي المُؤَلِّف من سعة اطّلاع مكنته من لم شراذم المواد وجمعها ضمن سبكٍ لغويٍّ جميل ومشوّق، طبعاً بلغة عصره. ويشير كامل الغزّي إلى أنّ لكلّ صناعةٍ أناسها وطوائفها وعوائلها التي تنقل سرّ الصنعة إلى أولادها وأحفادها . لكنّ هذه الطريقة في حفظ الصنعة أدّت إلى انقراض بعض الصناعات لعدم اهتمام بعض المتأخرين من أفراد بعض العوائل بمهنهم.

 

 

الصناعات المنقرضة

 

ونبدأ بالصناعات المنقرضة، ومن اسمها واضح أنّها غير معروفة وغير مألوفة وغير موجودة أصلاً لا في أيّامه ولا في أيّامنا. فمنها صناعة القاشاني، وهي صناعة البلاطات الملوّنة والمذهّبة المستخدمة في تزيين القصور والمساجد. ويعترف الغزّي أنّه لم يعرف إن كان أصل القاشاني من حلب أم لا، ولكن يبدو من كلامه أنّها كانت صنعةً رائجة في حلب إلى أن انقرضت تماماً في القرن الرابع عشر هجري/ التاسع عشر ميلادي.

 

 

 

 

وقد صنّف الغزّي الصناعات إلى قديمة، بعضها مستمر إلى يومنا هذا، والبعض الآخر انقرض.

 

 

 

ومنها صناعة القمريّات، وهي تلك النوافذ الملوّنة المزيّنة لأعالي الجدران في المساجد والبيوت. وتصنع من جمع كسر الزجاج الملوّن بالجبصين ومن ثمّ إحاطتها بإطارٍ من خشب.

 

 

 

ولم يبق من صنّاعها المهرة في زمانه سوى واحد فقط، وهو مسلم. وعلى ما يبدو فإن هذه التسمية اشتقت من ضوء القمر الذي ينساب من خلالها إلى داخل الغرف،

 

 

 

 فمن خلال زخارفها الملونة بزجاج شفاف ينساب ضوء القمر وحينها تكتسب شكلها الجمالي، إذ لا يمكن التمتع بمنظرها الجمالي إلا في الأيام المقمرة حيث يأخذ شكلها من الداخل جماليته، وعندما تشاهدها في مثل تلك الأوقات تبدو لك مختلفة فتكتشف قيمتها الفنية والصورة التي هي عليها إما كوردة أو فسيفساء أو شكل هندسي فريد بمزيج من الألوان الزاهية البراقة . 

 

 

 

 

 

ومنها أيضاً صناعة الشمع من الشحم أو شهد العسل، وقد انقرضت بسبب اكتساح الشمع الصناعي للأسواق. ولم يبقَ منها على زمانه سوى بعض النصارى الذي يصنعونه لإضاءة بيوتهم وبيوت عبادتهم.

 

 

ومنها أيضاً صناعة الزجاج، العادي منه والملوّن، وبأشكال وحجوم مختلفة. وقد كانت لها عدّة مصانع منتشرة في حلب تُجلَب موادها الأوليّة من جبل البشري. ويشير الغزّي إلى أنّ كلاّ من ياقوت الحموي وسعدي أشار إلى صناعة الزجاج الحلبيّ في كتابيهما "معجم البلدان" و"كُلِستان". ويقول أنّه لم يبقَ من مصانعها العديدة سوى واحد فقط في أرمناز، وليس من حسن الصنعة والجودة في شيء.

 

 

 

وبالإضافة إلى الصناعات السابقة، ذكر كامل الغزّي الكثير من الصناعات الأخرى. كصناعة أعواد الكبريت من أعواد القنّب أو القنبز، وصناعة الغلايين، وصناعة السيوف والتروس وغيرها.

 

 

 

ومنها أيضاً دهان البيوت باللازورد والحلي الذهبي، ومن مزايا هذه الطريقة أنّها تحفظ رونق اللون ومظهر الجدار ولو مضى مائتا عامٍ عليه. ولكن هذه الصنعة انقرضت مع سفر بعض الشبان المسيحيين إلى أميريكا وتعلّمهم صنعة الدهان على أصوله الحديثة.

 

 

تاريخ النشر: 2020-02-21