جواهر حلب

 

 

 

 

 

القدود الحلبية موسيقى وذكرى

 

 

من عبق الليالي الساحرة، والمآسي الحلبية الشيّقة الرقيقة، تتناهى إلينا منذ الزمن المنصرم الممعن في القدم مقامات القدود الحلبية الفاتنة فتتصل بنا لدى سماعها نشوة الماضي وجلاله بروعة الحاضر وفتنته خيطاً أبدياً منسجماً حلو النغم والإيقاع يشنّف الآذان المرهفة ويسر القلوب الواجدة بأناقة موسيقاه ودقة لحنه وحنان معانيه ونظمه والقلب والوجدان.

فإذا اجتمع إلى ذلك كله صوت رخيم وحسّ سليم ونبرة حلبية محببة خيّل للسامع أنه يسبح في بحر من الذكريات الآخذة المفعمة بالحكايا اللطيفة والوجوه المحببة تلك التي غابت عن دنيا الناس أو التي لا تزال تحيا بينهم، ويغرق... يغرق في أحاسيسه وعواطفه التي تنداح بقوة، بسخاء، ويشتاق بل يحنّ إلى زمن تولى وعمر تولّى ويتطلع بأمل وتفاؤل إلى مستقبل آت قريب القدود الحلبية وسامعها أن يحبس دمعة بل دمعات تنداح على خديه وهو ينصت إلى هذه السمفونية الحلبية الخالدة.

 

 

 

 

فما الذي توحيه هذه القدود؟ وماذا تروي لنا؟

نفحات دينية عبقة بسمو الخلق وتمجيد الخالق، فالق السماوات والأرض والبشر، والتضرع إليه بحرارة وإيمان ليبعد شراً أو يحسر شدة أو ينزل رحمة ورضواناً والشكوى إليه من ألم أضر.

مولاي أجفاني جفاهنّ الكرى

والشوق لاعجبه بقلبي خيما

مولاي لي عمل ولكن موجب

لعقوبتي فاحنن علي تكرما

 
 
 
 
 
 

أو سماء حبست ماءها فعطشت الأرض والناس والبهائم:

اسق العطاش تكرماً، واجل صدى قلبي بعفو محبة يا خير من أعطى الجزاء وأنعما

والعشق ولهاث العاشقين هي الأخرى لها المقام المهم في القدود، وكثيراً ما اختلطت آهات العاشقين بورع المتعبدين وأشواقهم:

ريم على القاع بين البان والعلم 

أحلّ سفك دمي في الأشهر الحرم 

وقد دخل القدود كثير من أشعار المتأخرين ولا سيما الأندلوسيون لتشابه المعاني واتصال الحال كما في هذا البيت الأخير، ذلك أن أحوال الناس وآمالهم وتطلعاتهم تتشابه مهما تباعدت العصور ما بينهم، وقد آتى الله العرب في لغتهم العربية الحبيبة نعمة التفاهم بين أول وآخر متكلم بها، وكفى هذه اللغة فخراً انها لغة أهل الجنة، وبها أنزل الله سبحانه وتعالى كتابه العزيز.

في صحن دارة حلبية رحبة ترتعش في جوانبها شجرة كباد وإلى جوارها دالية وقبالتهما تسمو شجرة ليمونة، كثيرا ما اجتمع أهل الأنس واللهو والطرب يودعون قريبا هجر أو يستقبلون غائباً عاد ويتبارى الصبايا والشبان في التمايل والتثني على نغم "اسق العطاش" وينطلق الشادي يشدو معرضا أو مصرحا بجمال قد المحبوبة وسهام عينيه تلاحق خطواتها الرشيقة:

قدك المياس يا عمري يا غصين البان كاليسر وانت أحلى الناس في نظري جل من سواك يا عمري

لك الله يا أماسي حلب الحبيبة! ما أروع ذكرك وما أطيب أهلك، شبابك يذوبون على ذكر الحبيب، ولكنهم رجال بواسل يندفعون كالأسود إذا حمي الوطيس، طيبون سمحاء ينجدون الملهوف ويغيثون المحتاج وهم إلى هذا وذاك على قدر كبير من عزة النفس والنخوة يأبون الضيم ويرفضون التذلل، وتعاف نفسهم ضفائر الأمور أو الانصياع لمن يشاء ذلهم أو الكيد لهم وبهذه الخصال الحميدة شهروا، حتى بالغ الناس فوصفوهم بالخشونة والجلافة، وفرق كبير ما بينهما وبين الأنفة والعزة.

استطردت إلى ذكر بعض خصال أهل حلب لما بين هذه المزايا والقدود التي يتغنون بها ليل نهار من تشابه، ولا غرابة فالشعر والغناء وليدا البيئة وأحوال النفس كما هو معروف، وليت الذاكرة تسعف إذا لا وردت فيضاً من أبيات القدود ومواويلها الأصيلة وتنفحنا بالمزيد من طبائع الحلبيين وأحوالهم.

فالقدود الحلبية إذاً هي لسان حال الشعب وهي في هذا تشبه الأمثال والوصايا والحكم إلى حد كبير، الم يقولوا:

المثل صوت الشعب؟"

وكذلك القدود فهي تحكي نزعات النفس وأهواءها وتحدث عن ميولها وأمانيها:

العزوبية طالت علي

قومي اخطبيلي يا ماما وحدة حلبية

وقد تفنن المغنون الظرفاء للقدود أمثال المرحوم محمد خيري والمطرب المبدع صباح فخري وغيرهما فجعلوا الخطيبة المطلوبة حلبية مرة وحموية أخرى وحمصية وشامية وغير ذلك...

وفي حلب فاكهة لاذعة طيبة النكهة لذيذة الطعم هي "القراصية" والحلبيون يلفظونها "الاراصية" وقد دخلت قدودهم فتغنوا بها إلى جانب المحبوبة فقالوا:

والقراصية منين منين

يلي سقوها بدمع العين

والقلب ما بيهوى اثنين

بدّو وحدة حلبية

يا الله ما أجمل الفتاة الحلبية وما أكثر راغبيها وطالبي يدها الذين يتلمضون لذكرها تلمضهم لذكر ("الاراصية"، رطبة معقودة "مربى") الأولى غذاء الروح والثانية الفم والمعدة.

والشاي الحلبي إذا عشق في الفراش فعشقه مهول عنيف عفيف وقد يرميه عشقه في الفراش ويهزله ويبريه ويلزمه طبيب ودواء هذا إذا نفع الطبيب والدواء:

قلبي ملوّع يا وعدي ... بدي طبيب يدواويني

دوا الطبيب ما بينفعني ... شوفت  حبيبي بتشفيني

أجل ففي رؤيا الحبيب وحدها الدواء وفيها الراحة والشفاء بإذن الله.

لقد اولع الحلبيون خصوصاً بقدودهم وتعلقوا بها تعلقاً جماً وأحبوها حبهم لكل  غناء جميل وموسيقى مطربة شجية، وجعلوها  رفيقة لياليهم في شجوهم وشجنهم، فإذا بعدوا او هاجروا فهي رفيقة دربهم وزوادتهم في غربتهم لا ينقطعون عن سماعها والاستئناس بها ليل نهار، وليس من الغرابة بمكان أن المار في احد شوارع كاراكاس او مراكاي او فالنسيا او اية مدينة في أية قارة من قارات العالم الخمس ليس غريباً أن يستمع إلى نغم حبيب من أنغام القدود الحلبية يتناهى إليه رقيقاً حنوناً خلاّباً من نافذة مشرعة أو باب موارب فتستثار أشواقه وتستفز ذكرياته وأيامه الخوالي، وتحضر مواقف ووجوه عزيزة حبيبة في مخيلته ووجدانه، ويحن حنيناً لا عجباً إلى أرض الوطن وأهل الوطن وكل ما يمت إلى الوطن الغالي (القتّال) بصلة.

وإذاً هذه القدود الفاتنة فضلاً عن كونها غناء وموسيقى، إنها ذكرى تراث وتاريخ أشواق ووطن لا تنحسر أيامه من الفكر ولا يضمحل حبه إلى الأبد.

انطوان نعيّم - مراكاي