جواهر حلب

 

 

 

 

حلب مهد الفنون

  

حلب أقدم مدينة ما تزال مأهولة حتى اليوم ،وهي مهد للعديد من الحضارات التي قامت على أرضها وانتشرت شرقا وغربا ، وما أعطته هذه الحضارات من ثقافات متنوعة انصهرت في بوتقة حلب ، فكونت لها نسيجها الحضاري الخاص .

ولعل فنون الموسيقى والغناء ، كانت أكثر وضوحا في هذه الخصوصية التي تمتعت بها حلب في فنونها وثقافاتها. وتكاد تكون حلب المدينة العربية الوحيدة التي تميزت بألوان خاصة من الغناء ، لا تشابهها في ذلك أية مدينة عربية أخرى .

ما من بلد عربي نال من الشهرة والصيت في فن الموسيقى ما نالته مدينة حلب .... وما من بلد عربي أخرج عدداً كبيراً من الفنانين خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر ، والربع الأول من القرن العشرين كما أخرجت هذه المدينة العربية ...وما من فنان كان يحضر إلى مسارح حلب مغنياً أو عازفاً قبل أن تعم السينما وتنتشر آلات الراديو والتلفزيون ، إلا وكان يهتز قلبه من لقاء سكان هذه المدينة التي لا ترحم من يسمعها فنا رخيصاً مهما كان شأن هذا الفنان في الشهرة والمجد !

وحدثنا مرة عازف مشهور من عازفي ( القانون ) أنه لم يزر مرة بلداً عربياً ويخرج فيها إلى الناس ثم ترتجف يداه رهبة من المستمعين إلا حينما زار حلب ، وخرج إلى أهلها يقدم إليهم فنه ..فما هو سبب شهرة حلب بالموسيقى ؟

 

إذا عدنا إلى صفحات التاريخ باحثين عن هذا السبب لنا أن نعود إلى قرون بعيدة .. نعود إلى عهد بني حمدان في حلب حوالي عام / 333 / هجرية ..فنجد أن سيف الدولة استقدم إليه ( الفارابي ) ، وأقام في حلب ، وجذب إليه التلاميذ من جميع الأنحاء ، حيث كانوا يتزاحمون على محاضراته ودروسه التي كان يلقيها في الحدائق الناضرة في ضواحي حلب ، حين كان لحلب حدائق ناضرة في عهد سيف الدولة الحمداني .وإذا علمنا أن ( الفارابي ) كان من أشهر الموسيقيين في ذلك العصر ، كما كان عازفاً بارعاً على العود ، وأنه قد ألف كتباً شهيرة في الموسيقى لأدركنا إذن من أين بدأت نهضة حلب وشهرتها بهذا الفن الرائع الجميل ! ويبدو أنه كتب لحلب من الحظ في هذا الميدان ما لم يكتب لغيرها من بلاد العرب في هذه الحقبة من التاريخ .. فكتاب ( الأغاني ) لأبي فرج الأصفهاني – وهو من أمهات الكتب العربية – قد كتبه صاحبه في حلب .. وكتاب الأغاني – كما هو معروف – تاريخ شامل جامع للأدب العربي ، والأدب الموسيقي من أيام الجاهلية حتى القرن العاشر ....ومما يذكر في هذه المناسبة أن سيف الدولة منح أبا الفرج الأصفهاني ألف دينار .. مكافأة له على كتابه .. كما وهبه السلطان الأندلسي ( الحكم الثاني ) ألف دينار تكريماً له وتقديراً ... .وجاء في كتاب ( خطط الشام ) لمؤلفه ( محمد كرد علي ) – وهو كتاب يبحث في تاريخ سورية منذ ما قبل المسيح حتى عام / 1927 /

- جاء بحث عن حلب وشهرتها الموسيقية فقال المؤلف:

 إن حلب مشهورة منذ القديم بغرام أبنائها في الموسيقى منذ عهد سيف الدولة بن حمدان ، ودع الموسيقيات والمغنيات ممن غفل المؤرخون عن ذكرهم أمثال ( علوة ) محبوبة البحتري في حلب التي ذكرها كثيراً في شعره ... " ويقول كتاب خطط الشام أيضاً : " سألت صديقنا ( الشيخ كامل الغزي ) وهو من أساتذة حلب ، عن المغنين والموسيقيين في بلده فكتب إلى رسالة قال فيها :

" ... إن حلب لا تخلو في أكثر أوقاتها من المغنيين والمترنمين الذي يعدون بالمئات .. ويعرف عند الحلبيين من يأخذ على غنائه أجرة باسم الفن ( ابن الفن ) . " ومن رجال القرن الماضي أي حوالي / 1850 / م رجل اسمه مصطفى البشنك إلي فتح نادياً لممارسة الفنون الموسيقية دعاه ( قاعة بيت مشمشان ) كان يختلف إليه كثير من المولعين بالموسيقى ليتلقوها

عن أساتذتها ، وما زال الحلبيون يضربون بالمكان الذي تتوفر فيه دواعي الطرب فيقولون ( ولا قاعة بيت مشمشان ) ...!

وفي كتاب (إعلام النبلاء في تاريخ حلب الشهباء ) لمؤلفه الشيخ راغب الطباخ ، جاء ذكر بعض الموسيقيين اللامعين في حلب لسنين طويلة خلت ...

فقد ذكر ممن ذكر " أنه كان هناك رجل موسيقي اسمه ( محمد بن البزره ) المتوفى عام 949 هجرية وكان لقبه ( محمد الآلاتي ) لم يكن له نظير في الفرق على الطنبور والضلع في الموسيقى ، حتى أن السلطان الغوري طلبه من خير بك حاكم حلب فذهب إليه ومعه أصحابه الموسيقيون فأسمعه من الفن ما لم يسمع قط ... "

وبعد هذا كله فنحن نعلم أن مصر منذ مطلع هذا القرن تحمل مشعل الغناء والموسيقى في العالم العربي كله من أقصاه إلى أقصاه ... وأن غناء مصر وموسيقاها قد دخلا كل بيت من بيوت العرب لا ينازعهما في ذلك منازع ، بحيث أصبح الناس يسمعون المطربين المصريين ويتعلمون منهم ويغنون ألحانهم أمثال : " عبده الحمولي – ومحمد عثمان – والشيخ سلامة حجازي – وأبو العلا – محمد محمد – والسيد درويش – ومحمد عبد الوهاب .. إلى آخر من يعرف من هؤلاء المبرزين جميعاً ..

ونحن إن كنا نعلم هذا كله .. ولكننا لا نعلم أنه كان لحلب الأثر العظيم في نهضة مصر الموسيقية كما اعترف بذلك كثير من المصريين الذين كتبوا تاريخ الموسيقى في مصر ، وبحثوا عن أسباب نهضتها .

فقد ذكر ( عبد المنعم عرفة ) الأستاذ في المعهد الموسيقي في القاهرة بكتابه ( أعلام الموسيقى العربية ) فقال : " إن عبدو الحمولي قد هذب التواشيح والقدود فخلقها خلقاً جديداً بث فيها من روحه ومَصر الطريقة الحلبية التي كان يتغنى بها المغنون ". وإذا علمنا أن ( عبده الحمولي ) المولود عام 1843 م والمتوفى عام 1901 والسيد درويش المولود عام 1892 م والمتوفى عام 1923 أنهما أول من حمل لواء النهضة الموسيقية في مصر فينبغي لنا أن نعلم أنهما اقتبسا هذه النهضة من فناني حلب .