جواهر حلب

 

 

.

عمر سرميني

 

ولد المطرب القدير عمر سرميني في العشرين من شهر آذار عام 1962 , في حي العقبة من منطقة الجلوم وهو حي من أحياء حلب القديمة يقع قرب الجامع الأموي الكبير , أبوه الشيخ محمد سرميني رجل فاضل درس وتعلم وتخرج من مدرستي الشعبانية والخسرفية , يهوى الإنشاد الديني والذكر وهو متصوف من أتباع الطريقة النقشبندية .

 

شب عمر سرميني منذ طفولته على كل ما يدور حوله في بيئته المحافظة التي تعتز بالعادات والتقاليد , ولأنه كان أصغر أخوته وأخواته سناً , فانه حظي بعناية خاصة من أبيه الذي خصه بعطفه وحنانه وجعله صديقاً له في حله وترحاله فكان يرافقه إلى حلقات الذكر التي كانت تعقد في المساجد والتكايا والبيوتات .

 

ومن حلقات الذكر هذه ومن المجالس والتكايا والمآذن قبس فن الإنشاد الديني ثم الغناء من أئمة المنشدين والمغنين في حلب , وعلى سبيل المثال: كان أبوه يصحبه كل يوم سبت إلى منزل الشيخ أديب خضير الذي يعقد في بيته حلقة للذكر كان يؤمها المنشد القدير مصطفى طراب والمنشد أديب الدايخ والمنشد القرقناوي , فكان يجلس قرب أبيه فيستمع للتوشيحات والمدائح والقصائد الدينية دون أن يدري أنه يتعلم منها الشيء الكثير , وفي يوم الأحد يرافق أباه إلى جامع السفاحية القريب من باب قنسرين ليستمع إلى إنشاد الشيخ صالح دهان , والشيخ العتر , والشيخ عبد القادر رديف شيخ المنشدين في حلب الذي كان والده قبلاً ينشد في زاوية (بادنجك) التابعة لأسرة بادنجكي  ..

.

 

.

وكانت حافظة عمر سرميني الطفل تتلقف كل ما ينشده أولئك المنشدون الكبار بشغف دون أن يعرف بأن ما يحفظه سيكون له دور في مستقبل أيامه ,  وإضافة إلى هذا فإن البيت الذي ولد فيه ونشأ يشرف بفسحتيه السماويتين على إطلالة جميلة على قلعة حلب ومئذنة الجامع الأموي الكبير الذي كان يؤثر فيه على مدار الصلوات الخمس , خمسة مؤذنين مشهوداً لهم بالأصوات الجميلة والأداء المتميز , فكان الشيخ عمر دربي يؤذن لصلاة الفجر , والشيخ أحمد جاكيري لصلاة الظهر , والحاج أحمد الخراط لصلاة العصر , والشيخ بكري الكردي لصلاة المغرب , والشيخ أحمد الحجار لصلاة العشاء , فيؤدون الأذان من مقامات موسيقية مختلفة تظهر براعتهم .

 

تعلم عمر سرميني قراءة القرآن الكريم وأحكام التجويد على يدي العلامة الشيخ أحمد الإدلبي والشيخ جميل العقاد والشيخ محمد الملاح قبل أن يلحقه أبوه بمدرسة مروان بن الحكم الابتدائية التي مكث فيها ست سنوات , انتقل بعدها إلى مدرسة معن بن زائدة الإعدادية , وقد تزامن انتسابه لهذه المدرسة مع توجهه للعمل في مجال الإنشاد الديني الذي تعلم فيه أصول تدوير حلقات الذكر الصوفية , وترقية لفظ الجلالة من الشيخ عبد القادر رديف , وأثناء عمله هذا تعرف على المنشد أديب الدايخ الذي صار يصطحبه إلى حفلات الموالد والأعراس والختان , لصوته الجميل إضافة لإتقانه السيرة النبوية والغناء الدنيوي المتداول .

 

أدرك عمر سرميني أن الإنشاد الديني وحده لا يمكن له أن يصنع منه مطرباً , فانتسب إلى معهد حلب الموسيقي , وفي هذا المعهد لفتت براعته في الغناء أنظار الموسيقي الراحل نديم الدرويش فلحن له خصيصاً أغنية (تسلم وتعيش) التي حققت بعد إذاعتها إذاعياً وتلفزيونياً نجاحاً طيباً .

.

 .

لم يستطع معهد حلب إشباع رغبة عمر سرميني في تعلم الموسيقى  والتبحر فيها , فهجره ليتتلمذ على يدي الأستاذ محمد قصاص الذي علمه مبادئ الصولفيج قراءة وغناء , إضافة إلى العزف بالعود والاشتغال في فرقته (شيوخ الطرب) منشداً ومطرباً , فسافر معه إلى بيروت وطرابلس وغيرها من المدن اللبنانية ومراكز الاصطياف محققاً بصوته وحضوره وأدبه الجم نجاحاً كبيراً جعل عدداً من المحطات الفضائية تستضيفه في برامجها , ولم يقتصر الأمر على ذلك إذ دعي لإحياء حفلات عدة في قصر الرئيس الياس الهراوي في بعبدا , وفي منزله في زحلة في مناسبات خاصة .

 

انفرط عقد فرقة (شيوخ الطرب) , واضطر عمر سرميني كي يستكمل ما ينقصه في مجال الموسيقى الشرقية للالتحاق بالأستاذ عبد الرحمن مدلل , وكان هذا الأستاذ الأديب خريج كلية الآداب , عالماً موسيقياً , ومثقفاً وأديباً مرموقاً , وصوته مقبولاً وأداؤه متميزاً , وسبق له وعلم كبار المطربين من مثل: محمد خيري وصباح فخري وعبد الرحمن عطية , وغيرهم , فمكث عنده ثلاث سنوات تزود خلالها بفن الموشحات وأساليب الغناء العربي , وتعرف عنده على الفنان فؤاد خانطوماني الذي كان وقتذاك مطرب حلب الوحيد , وبفضل فؤاد خانطوماني تغيرت أمور عمر سرميني واتخذت لها مساراً آخر في العمل الفني الجاد , فارتفع أجره المادي الذي شجعه على الاحتراف .

.

 

.

وقفت خدمة العلم حائلاً بين عمر سرميني وعمله في فرقة فؤاد خانطوماني , ولكنها لم تكن عائقاً بينه وبين دروس الصولفيج والعزف بالعود اللذين تابعهما بإصرار مع الأستاذ (كمال حدث) , وأثناء تأديته لخدمة العلم في نادي ضباط حلب تحت إمرة المحامي والنقيب وليد قلعه جي الذواق للموسيقى والغناء , أتاح له هذا المجال لإقامة حفلات عدة في نادي الضباط استأثرت بإعجاب وتقدير روادها , وارتبط خلالها بصداقة طيبة مع عازف الناي المعروف (محمد خير النحاس) الذي عرفه بالدكتور (زهير أمير براق) رئيس نادي شباب العروبة الغنائي , وفعلاً تم تشكيل هذا الرباعي من المطربين: عمر سرميني ونهاد نجار وعبود بشير ورضوان سرميني , ونجح نجاحاً مطلقاً في الحفلات التي أقامها النادي في مختلف المدن السورية .

 

أراد نادي شباب العروبة التوسع في مجاله الموسيقي , فاستعان بالموسيقي عبد القادر الحجار لتعليم فرقة كورال النادي أداء الوصلات الغنائية التي لحنها خصيصاً له , وخلال عمله هذا التقى برباعي النادي الذي شدا له بوصلة موشحات من مقام الكرد من بينها موشح (لم يكن هجري حبيبي) , ومن هذا النادي , ومن وراء تراكم ما حفظته ذاكرة عمر سرميني من أغان دينية ودنيوية وعلوم موسيقية , ومن وراء صوته الجميل ومهارته في الأداء أخذ اسمه ينتشر ويكبر , وجمهوره يزداد , دون أن يركبه الغرور أو يفارقه تواضعه وأدبه المجبول عليهما منذ طفولته .

 

في سبعينيات القرن الماضي بدأ يحصد زرعه الذي أينع , فوجهت إليه الدعوة للمشاركة في مهرجان قلعة حلب , ثم للمشاركة في مهرجان المحبة في اللاذقية , فسطع نجمه , وبدا وكأن كل شيء صار ملك يديه , فلبى دعوة مهرجان أثينا الدولي في اليونان , حيث غنى في قبرص وعدد من المدن اليونانية إضافة للعاصمة أثينا في إطار المهرجان , وبعد عودته دعي للغناء في دمشق بمناسبة تكريم الموسيقار والمسرحي أبي خليل القباني , فغنى له موشحه الشهير (ما احتيالي يا رفاقي) , ليصير بعد ذلك نجم مهرجان الأغنية السورية في حلب , ومهرجان بصرى الدولي , ومهرجان تدمر السياحي , وظل كذلك يصول ويجول دون أن تفيه الصحافة حقه من التقدير إلا لماماً .

.

 

.

كما كانت له مشاركة في مهرجان قرطاج الدولي الموسيقي السنوي مع فرقة الراحل صبري مدلل عندما طلب منه المشاركة في المهرجان مع نخبة من المطربين والعازفين فكان عمر سرميني أحد أعضاء الفرقة , وكان لرحلة مهرجان قرطاج بعدها الفني الكبير , فارتبط عمر سرميني بالفنان القدير محمد قدري دلال , بصداقة فنية عميقة وصداقة عمل , كان من ثمارها غناء عمر سرميني لبعض ألحان قدري دلال , والاشتراك معه في أعمال فنية بالتعاون مع المستشرق الفرنسي (جوليان جلال الدين فايس) .

.

.

كما شارك مع فرقة الكندي التي أسسها جوليان فايس , والتي ضمت مجموعة من نجوم الغناء والعزف , فقدمت الفرقة حفلات في أغلب بلدان أوروبا وأمريكا واستراليا ولاقت نجاحاً باهراً .

 

شارك عمر سرميني في مهرجان فاس في المغرب الخاص بالغناء الصوفي مع المنشد أديب الدايخ في اليوم الأول , ثم شارك في اليوم الثاني أيضاً مع المنشد حسن حفار , وقد كرمته إدارة المهرجان ومنحته شهادة تقديراً ووساماً , كذلك شارك على مدى سنوات في مهرجانات عدة في تونس منها: مهرجان المدينة في القصر البلدي بتونس , ومهرجان مدينة الحمامات , ومهرجان سوسه , ومهرجان حدائق خير الدين , التي أبلى فيها كلها بلاءً طيباً , جعلت إدارة المهرجانات تطلبه دائماً .

 

أعماله: غنى عمر سرميني التراث فأبدع فيه , وشدا بألحان نزار موره لي وسمير حلمي وإبراهيم جودة وعدنان أبي الشامات وفتحي الجراح وخالد ترمانيني فحلق فيها , وأكثر هذه الألحان غناها في المسلسلات التلفزيونية الغنائية التي أعدها وأشرف عليها وقام بتوزيعها موسيقياً الفنان القدير حسين نازك منها: مسلسل الرحيل إلى الوجه الآخر و المغنون والموشحات كنوزنا وإضافة إلى هذا كله فانه مارس التلحين في محاولة تجريبية منه , فكانت قصيدة (نحن لا ننسى الصحابا) للشاعر نفسه , إضافة لألحان أخرى لقيت قبولاً .

.

.

الأعمال الأخرى التي شارك فيها بنجاح مطلق تنحصر في عملين هامين هما (تجليات) للمبدع نوري اسكندر بمنتهى الشفافية والإحساس بنوعية العمل الذي يتنطع له , والثاني , كان بالنسبة إليه تجربة فريدة إذ غنى بمناسبة افتتاح قصر الأمير عبد القادر الجزائري الواقع بظاهر دمشق موشحاً موزعاً بأسلوب موسيقى الجاز بالتعاون مع عازف الكيتار القدير (هانيبال سعد) وهذه التجربة الرائدة فتحت أمامه آفاقاً جديدة لا سيما بعد نجاحه الكبير في أدائه الجديد الذي لعب فيه الارتجال دوراً أساسياً , وعمر سرميني الذي يحترم فنه وبلده ظل وما زال يعمل على تقديم إرث بلده الفني في حله وترحاله دون كلل لتعريف العالم بكنوز سوريا الموسيقية التي كلما نهل المرء من معينها , زاد امتلاء ونشوة وطلب المزيد .