جواهر حلب

 

 

 

 

 

.

زكية حمدان

1920-1987م

 

ولدت زكية حمدان بنت الممثل حسن حمدان في حلب في بيت مجبول بالفن , ووالداها كانا من الممثلين الذين لم تتح لهم أسباب الشهرة لأنهما كانا يعملان مع الفرق المسرحية التجارية والفرق الجوالة مما أدى لبقائهما في الظل , وشجارهما الدائم وانفصالهما فيما بعد عقد زكية وجعلها تتخذ موقفاً صارماً من الزواج .

تعلمت زكية حمدان أصول الغناء على أيدي أساتذة حلب ولا سيما (أنطوان زابيطا) الذي تدين له بالفضل في وصولها إلى المرتبة الرفيعة في الأداء فهو الذي تعهد موهبتها منذ نشأتها , فأغناها في العلوم والتدريب عزفاً وغناءً , حتى جعل منها المطربة التي من الصعب أن تنسى .

 

تتميز زكية حمدان بشخصية واضحة في الغناء , وهي في هذا تختلف عن مثيلاتها من مطربات جيلها , وقد شاركت في بداياتها في الحفلات التي كان يشرف عليها الأستاذ أحمد الأبري , والحفلة التي وجهت إليها الأنظار بقوة وكانت بداية انطلاقتها الحقيقية , تلك التي أقيمت في الثلاثين من كانون الأول عام 1939 على مسرح سينما روكسي في حلب برعاية عقيلة الجنرال الفرنسي مونيه قائد جيوش سوريا الشمالية , ورصد ريعها آنذاك لجرحى الحرب , ومنذ ذلك التاريخ تخاطفتها المرابع الليلية ودور اللهو والمسارح , ولما كان رصيدها من الأغاني ضئيلاً ولا يعتد به فإنها عمدت إلى غناء الأعمال التراثية التي تمرست بها من موشحات وأدوار محمد عثمان وداود حسني وسيد درويش وغيرهم , ومن ثم غنت أعمالاً معاصرة لمحمد عبد الوهاب وأخرى للقصبجي وزكريا أحمد والسنباطي من التي كانت تغنيها أم كلثوم , فطبعتها بطابعها , وأكسبتها الصفات الخاصة بها , فالأغاني من ألحان الكبار , والأداء حمداني بحت مثال ذلك: قصيدة (الكرنك) لمحمد عبد الوهاب , وطقطوقة (أنا في انتظارك) لزكريا أحمد , ومونولوج (يا ظالمني) للسنباطي التي سجلتها مع غيرها لإذاعة دمشق .

 

أرادت زكية حمدان أن تتخلص من أنواع الغناء التراثي الذي أزمت نفسها به , فالتفتت إلى فن المونولوغ الرومانسي الذي لم يعالجه من الملحنين السوريين سوى محمد محسن من وراء مونولوغه الشهير (دمعه على خد الزمن) الذي غنته سعاد محمد في عقد أربعينييات القرن العشرين , ونبه من ورائه الملحنين السوريين إلى هذا النوع الجديد من الغناء العاطفي الذي ترسخت جذوره في مصر بفضل رامي والقصبجي منذ عام 1928 , وعندما خرج محمد محسن بمونولوغ (فين يا زمان الوفا) الذي غنته أيضاً سعاد محمد , واتبع فيه ما اتبعه في (دمعة على خد الزمن) أكد الاتجاه الرومانسي في الأغنية السورية الذي مال إليه المطربون والمطربات فغنوا فيه أغنيات لم ترقَ في مجموعها إلى ألحان محمد محسن , ومن هنا أرادت أن تجرب حظها في المونولوغ الرومانسي بهدف التلوين , ولما كانت ذات طبيعة حساسة , وذات مشاعر مرهفة , وترغب بتقديم فن أصيل , عمدت إلى أصدقائها الكثر من الشعراء اللذين يؤمون دور اللهو التي تعمل فيها للاستمتاع بفنها , لينظموا لها ما يتفق وقوة صوتها وأدائها الرفيع المتميز , قصائد لا تخرج في مضامينها عن فن المونولوغ الشاعري السردي وكان الشاعر والنائب في المجلس النيابي السوري المرحوم نوفل الياس والشاعر مدحة عكاش , من الشعراء الذين أسهموا في ذلك , ثم اختارت بعد ذلك الموسيقي القدير وعازف الكمان البارع (خالد أبي النصر اليافي) الذي لازمها حتى وفاته ليلحن لها بأسلوب المونولوغ القصائد التي قدمت لها من أصدقائها .

.

 

.

ولما كان الفنان (أبو النصر) متتبعاً للحركة الموسيقية , ولماً بالقيمة الفنية للمونولوغ , وسبق له ومارس التلحين , ويعرف خصائص صوت زكية حمدان وإحساسها ورسوخ قدمها أداءً وتعبيراً بحكم ملازمته لها عازفاً بالكمان في فرقتها , فقد عمد إلى إعطاء فن المونولوغ الشاعرية التي يتطلبها والرهافة الموسيقية التي قامت عليه , وتمكن في الألحان القليلة التي أعطاها أن يجمع بين السرد الموسيقي المعبر , وبين الغناء بخصوصية خارقة فجاءت الألحان مطابقة لمضامين قصائد المونولوغ موسيقياً , ومن أجمل أعماله في هذا المجال والتي أسرف في إغراقها بألحانه الرومانسية الحادة , مونولوغ (سليمى) لنوفل الياس و (خلقت جميلة) لمدحة عكاش .

 

وعندما غنت هاتين القصيدتين المونولوغ , أسبغت عليهما من روحها ومشاعرها وأحاسيسها ما جعل منهما نغمين سائرين , سيطرت بهما وبالأغاني الأخرى التي ظهرت لها في سني خمسينيات وستينيات القرن الماضي على الساحة الموسيقية , وتشكل أغاني زكية حمدان في المونولوغ , المرحلة الرومانسية الخقيقية التي سادت في سوريا على الرغم من الأعمال التي ظهرت لغيرها في هذا المجال , ولا يمكن لأي مطرب أو مطربة مهما أوتي من براعة , وقد جرت محاولات من هذا القبيل , أن يؤدي أعمال زكية حمدان في المونولوغ بالبراعة نفسها التي أعطتها .

 

.

.

لحن لزكية حمدان عدد ضئيل من الملحنين السوريين واللبنانيين منهم أستاذها أنطوان زابيطا , خالد أبو النصر اليافي , ميشيل خياط وشفيق شقرا , وأجمل الأغاني التي غنتها لهؤلاء: موشحات (رب ليل) لابن الخطيب وتلحين ميشيل خياط , (يا غضيض الطرف) و (يوم جددت ليالينا) ولحنهما أنطوان زابيطا , ومونولوغ (ناسي هواك) الحالم , وقصيدة (لماذا تخليت عني) ولحنهما خالد أبو النصر اليافي , وأغنية (من كتر حكي البشر) لرشيد نخلة و (مساكب الورد) لمسلم برازي ولحنهما ميشيل خياط , وقصيدة (ويحك يا قلبي) لمحمد علي فتوح , وأغنية (يا قلبي غني) لمارون نصر ولحنهما عفيف رضوان , و(أعياد الثورة) نظم أسعد السبعلي وألحان شفيق أبي شقرة .

 

ويجمع النقاد ومتتبعو زكية حمدان الفنية , على أنها صنعت بصوتها وفنها تاريخ الغناء الرومانسي في لبنان وسوريا , توفيت زكية حمدان في الكويت عام 1987 .

 

 

 

المصدر كتاب : الموسيقا في سوريا