جواهر حلب

 

 

 

 

.

صباح فخري

 

 

.

لم يعرف تاريخ الغناء العربي المعاصر مطرباً تربع على عرش الغناء العربي التراثي غير صباح فخري , ولم يعرف التراث الغنائي بالذات من حافظ عليه وأولاه عنايته واهتمامه وسار به بين الناس من نصر إلى آخر سوى صباح فخري .

 

لقد مر على مدينة حلب مطربون كبار غنوا التراث وعملوا في تهذيبه ونشره مثل أحمد الفقش ومحمد الناصر وأسعد سالم وعبد القادر حجار وأديب الدايخ ومحمد غيري وصبري المدلل , ولكنهم لم يصلوا بهذا التراث إلى ما وصل إليه صباح ولم يغنوا إلا بعضه , ومنها تألق صباح فخري من وراء حنجرته الذهبية وصوته الماسي , وأدائه المتقن الخارق لجميع ألوان التراث من موشحات وقدود وموال والغناء بكلمة يا ليل , والقصائد بنوعيها المرتجلة والملحنة , والأدوار , والطقاطيق , والأغاني المعاصرة التي غدت جزءاً من التراث لشعبيتها وخلودها .

.

 

ولد صباح فخري واسمه الحقيقي صباح أبو قوس في مدينة حلب عام 1933 , أبوه الشيخ محمد أبو قوس , رجل دين وقور , يعلّم قراءة القرآن الكريم وتجويده , وصاحب أربع طرق صوفية هي: القادرية التي كان يميل إليها ، والرفاعية ، والدسوقية , والبدوية .

 

في السادسة من عمره احتفلت به الأسرة احتفالاً خاصاً لإتقانه قراءة القرآن الكريم على يد أبيه وقبل أن يبلغ العاشرة من عمره , تعلم الإنشاد الديني من حلقات الأذكار التي كانت تقام في البيت , والزوايا الصوفية وحفظ مختلف ضروب الإيقاع من ضرب الدفوف المرافق للإنشاد , واكتسب من أصدقاء أبيه مثل عمر البطش ومصطفى الطراب وصبحي الحريري وبكري الكردي , بعفويته النهمة لتلقف كل شيء من علوم النغمات والأوزان وأتم وهو في المرحلة الابتدائية دراسة أصول التجويد .

 

تعرف صباح فخري في الثانية عشر من عمره عن طريق أخيه الأكبر عبد الهادي , الموسيقي , وعازف العود , والنشأة كار (العود الصغير) محمد رجب , وكان هذا من الملحنين السوريين المرموقين , فلحن له بعد أن ثبر صوته وأعجب به موشح (يا هلالاً غاب عني واحتجب) , كما لحن أغنيات أخرى مهدت لانطلاقته في عالم الغناء .

.

 

.

ولكي لا يقيد نفسه بألحان الموسيقي محمد رجب , اتصل بالشيخ علي الدرويش وبولديه إبراهيم ونديم , فلحن له إبراهيم بعض الأغنيات , وعلّمه نديم الدرويش العزف بالعود , ولحن له هو الآخر أغنيات أخرى رسّخت بداياته , لاسيما وإن صوت صباح حينذاك كان يجتاز مرحلة سن المراهقة , وهي مرحلة حاسمة بالنسبة لأصوات المغنين يصعب معها تحديد مساحة وصلاحية الصوت أي مغن مهما كانت قدراته , وبعد اجتياز صباح لهذه المرحلة بعد أن أضفت على صوته مزيداً من النقاء والصفاء والطلاوة , وكان لابد له وقد بلغ سن الرابعة عشرة من عمره , أن يبدأ بتعريف الناس في سورية على فنه الغنائي لتحكم له أو عليه , وقد أتيحت له هذه الفرصة عندما زار عازف الكمان الشهير سامي الشوا الحلبي الأصل والملقب بأمير الكمان حلب عام 1947 , لزيارة أسرته من جهة , ولتقديم بعض الحفلات في المدن السورية من جهة ثانية .

 

وعندما استمع في إحدى السهرات الحلبية إلى صوت صباح وطريقة غناءه , أعجب به وأصرّ على أسرته أن يرافقه غناء جميع الحفلات التي كان يزمع القيام بها في سوريا , ثم في مصر , غير أن الأسرة التي وافقت على أن يغني صباح بمرافقة فرقة سامي الشوا ترددت طويلاً قبل أن توافق على مضض على سفره إلى مصر , وهكذا بدأ صباح بعد أن سّماه سامي الشوا (محمد صباح) مشواره الفني الأول , فغنى في حلب وحماة وحمص ودمشق محققاً نجاحات لم يتوقعها , وكان من بين حضور حفلاته في دمشق , الوطني المعروف فخري البارودي المحب للأدب والموسيقى والغناء , الذي بهره غناؤه , فطلب أن يُلحق بالمعهد الموسيقي الشرقي الذي أسسّه وترأس مجلس إدارته بنفوذه السياسي , ليتابع دراسته فيه , وعندما علم بأن سامي الشوا سيصحبه معه إلى مصر , وقف حائلاً بينه وبين ذلك خوفاً عليه , وتمكن من إقناع أسرته بمتابعة دراسته الموسيقية في المعهد الموسيقي الشرقي , وتعهد برعايته ما ظل حياً .

.

 

.

وفعلاً انتسب صباح فخري إلى المعهد فدرس على يد عمر البطش الإيقاعات والموشحات ورقص السماح وفن غناء القصيدة الأصولي والأدوار , وتعلم من مجدي العقيلي النظريات الموسيقية والإلقاء الغنائي بواسطة التدوين الموسيقي (صوفليج) والعزف بالعود , وأخذ عن عزيز غنام كل شيء عن المقامات بما فيها أساليب الانتقال فيما بينها , ونظراً لإلمامه بأكثر هذه العلوم منذ الصغر فقد استطاع أن يختزل سنوات الدراسة في المعهد ليتخرج منه عام 1948 , وفور تخرجه تلفقه الملحنون فغنى من ألحان بكري الكردي وعزيز غنام ومجدي العقيلي عدداً من الأغنيات قبل أن يغني عدداً مماثلاً لعدنان أبي الشامات وإبراهيم جودت , وتقديراً من صباح فخري الذي لم يكن قد اتخذ اسماً فنياً يعرف به ويصافح الناس من وراء أغانيه , سمى نفسه (صباح فخري) بدلاً من صباح أبي قوس , تيمناً باسم فخري البارودي الذي حباه بعطفه ورعايته , وتقول روايات أخرى , إن فخري البارودي هو الذي كنّاه بفخري في إشارة واضحة بتبنيه .

 

لم يمكث صباح فخري في دمشق طويلاً , إذ بعد أن قدم عدداً من الوصلات الغنائية في إذاعة دمشق منذ عام 1947 , قرر فجأة العودة إلى حلب لمتابعة دراسته , فالتحق بالمعهد العربي الإسلامي عام 1949 لينهي فيه دراسته لشهادتي المرحلة الإعدادية والثانوية , وفي تلك المرحلة من حياته , فكّر باعتزال الموسيقى والغناء والانصراف للعمل التجاري , ولكنه لم يستمر طويلاً , إذ كانت موهبته وحبه للغناء وانتشار أغانيه والشهرة والنجومية حافزاً له للعودة إلى الغناء , وكانت بداياته الجديدة من وراء شاشة التلفزيون الصغيرة عام 1961 , عندما غنى في برنامج (الموسيقى العربية) الذي كان يعده ويخرجه الأستاذ جميل ولاية , دور محمد عثمان الشهير (أصل الغرام نظرة) ثم قصيدة (قل للمليحة في الخمار الأسود) التي أحدثت دوياً كبيراً ما تزال أصداؤه حتى اليوم , ودفعه هذا النجاح إلى تقديم وصلات غنائية من عيون التراث (يا مال الشام) و (يا طيرة طيري) لأبي خليل القباني , فأعاد إليهما بريقهما وألقهما .

.

.

ولم يكتف بذلك إذ انبرى لتراث الشيخ عبد الرحيم المسلوب وسيد درويش ومحمد عثمان وعمر البطش وزكريا أحمد وأمين الجندي وغيرهم يغرف منهم دون ارتواء , ليطفئ به شغف الجماهير التي تميل إلى هذا اللون من الغناء التراثي .

 

وفي عام 1965 شارك للمرة الأولى تمثيلاً وغناء في فيلم (الصعاليك) مع دريد لحام ونهاد قلعي ومريم فخر الدين , وفي مستهل سبعينات القرن العشرين , عرضت عليه بطولة المسلسل الغنائي التلفزيوني (الوادي الكبير) أمام وردة الجزائرية , فحلق في الأغاني والموشحات التي لحنها له محمد محسن وأمين الخياط وإبراهيم جودت وعدنان أبو الشامات وعزيز غنام , كما حلقت وردة بألحان بليغ حمدي الذي لم يكن موفقا في الموشحات التي لحنها , كذلك شارك صباح في مسلسل آخر بعنوان (أسماء الله الحسنى) مع منى واصف وعبد الرحمن آل رشي وزيناتي قدسية الذي وضع ألحانه عدنان أبو الشامات وإبراهيم جودت وعبد السلام سفر .

 

تحقق لصباح فخري النجومية التي لم يلهث وراءها وإنما سعت إليه , فقد انهالت عليه الدعوات من جميع الدول العربية لإقامة حفلات فيها فزار لبنان والأردن والكويت وقطر والدول العربية والعراق وسلطنة عمان والسودان ومصر والمغرب وتونس والجزائر وليبيا مرات عدة محققاً نجاحات مبهرة , وقد حدث في لبنان وقد كان بصحبته عازف القانون المعروف سليم سروة , أن دعاه الأب ملاطيوس إلى بلدة بكفيا ليمضيا معاً سهرة فنية في الدير الذي يشرف عليه المطران ملاوي , وكان ذلك في صيف 1975 , استهل السهرة الأب ملاطيوس بالغناء بكلمة يا ليل , رد عليه صباح بما يماثلها ليستلم منه الأب ملاطيوس من مقام الراست غناء (رباعيات الخيام) للسنباطي لتغدو بينهما كأنها مباراة في الغناء وفي الانتقالات المقامية التي خرجت عن المألوف وكلاهما متمكن في فنه حتى أعجزا سليم سروة الذي كان يرافقهما بالقانون , وظلا كذلك حتى قرعت أجراس الدير مؤذنة بصلاة الصباح , وباعتراف الأب ملاطيوس بتفوق صباح .

 

لم تقتصر رحلات صباح فخري على البلاد العربية , فقد دعي للغناء لأبناء المهجر في الأمريكيتين فغنى في مختلف مدن فنزويلا والأرجنتين والتشيلي والبرازيل ثم في مدن كندا حيث التقى فيها بالأب الأرثذوكسي كميل اسحق أحد المرتلين السريان الكبار , وجرت بينهما جلسات فنية دأب فيها الأب كميل تقليد أسلوب صباح في الغناء , وقد توطدت أواصر الصداقة بينهما لدرجة أن صباح غنى في عماد ابن كميل اسحق في حلب عند زيارته لحلب لهذا الغرض .

 

لم تتوقف رحلات صباح عند كندا , إذ انتقل منها إلى استراليا ليغني في مدينتي سيدني وملبورن , ثم سافر بعد سنوات عدة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليغني في اثنتي عشرة مدينة فيها ما في جعبته التي لا تنضب من أغاني التراث , وقد منحته مدينة ميامي مفتاح مدينتها وكذلك فعلت مدينة (ديترويت) تقديراً منهما لفنه , كما أن جامعة U.E.L.A في لوس أنجلوس أقامت له عام 1973 حفلاً تكريمياً في قاعة (رويس) وهذا التكريم لم يحظ به من الفنانين العرب سوى محمد عبد الوهاب , كذلك كرمته عام 1972 كلية الفنون في جامعة كاليفورنيا التي وضعت جميع أعماله الغنائية المسجلة في خدمة الطلاب كوسائل إيضاح باعتباره رائداً من رواد الغناء العربي التراثي الأصيل في الوطن العربي .

.

.

وتعد الحفلتان اللتان أقامهما في قاعة نوبل للسلام في استوكهولم , وفي قصر المؤتمرات في باريس عام 1978 من أهم وأرقى الحفلات التي قدمها , وفي عام 1985 دعته فرنسا لافتتاح مهرجان الموسيقى الشرقية الذي أقيم في قاعة (أماندييه – Amandiers) , كذلك لبى دعوة ألمانيا فأحيا في قاعة بتهوفن في مدينة بون حفلة تاريخية إضافة إلى الحفلات الأخرى التي أقامها خصيصاً لمعهد العالم العربي في باريس , وفيما كان يتنقل بين العواصم والمدن الأوربية لتعريف الأوربيين بالتراث الموسيقي العربي , دعته انكلترا لإلقاء محاضرات في الموسيقى الشرقية وللغناء أيضاً , وكانت محاضرته عن الموسيقى العربية والآلات الموسيقية العربية من المحاضرات الهامة التي أثارت الجدل والنقاش عند المهتمين بالموسيقى العربية في أمهات المدن البريطانية التي غنى فيها أيضاً داعماً محاضراته بشواهد غنائية .

 

شغل صباح فخري في مسيرته الفنية مناصب عدة , فانتخب نقيباً للفنانين في سوريا , ونائباً لرئيس اتحاد الفنانين العرب , وانتخب عضواً في مجلس الشعب عن مدينة حلب عام 1988 , ومديراً عاماً لمهرجان الأغنية في حلب لدورتيه الثانية والثامنة , وعضواً في اللجنة الفنية العليا لمهرجان المحبة , وضرب الرقم القياسي في الغناء عندما غنى في مدينة كاراكاس في فنزويلا مدة عشر ساعات دون انقطاع عام 1968 , وذكرت اسمه موسوعة (مايكروسوفت انكارتا) رمزاً من رموز الغناء العربي الشرقي , ومنحه الرئيس الحبيب بورقيبة في حفل تكريمي خاص عام 1975 وسام تونس الثقافي وقلده السلطان قابوس سلطان عمان وسام التكريم عام 2000 تقديراً لعطائه الفني طوال نصف قرن من الزمن , ونال من دولة الإمارات العربية المتحدة جائزة الغناء العربي لجهوده الفنية الكبيرة في الحفاظ على التراث الغنائي العربي وتقديمه بأبهى صوره .

.

.

وإضافة إلى هذا منح الكثير من الجوائز وشهادات التقدير والأوسمة , منها: الميدالية الذهبية في مهرجان الأغنية العربية في دمشق عام 1978 , وجائزة مهرجان القاهرة الدولي للأغنية , وشهادة تقدير من الملتقى الدولي لترويج التراث الموسيقي الحلي في عصر العولمة في عمان بالأردن عام 2000 , ومثلها من المجمع العربي الموسيقي تقديراً لإسهاماته المتميزة في الموسيقى العربية , كذلك منحته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 2004 الجائزة التقديرية مع درع المنظمة ووثيقة الأسباب الموجبة لمنح الجائزة , وهي آخر جائزة نالها في مشواره الفني .

 

أسس محبو صباح فخري في مصر جمعية فنية باسمه , شهرت عام 1997 تحت رقم 1391 وهي أول جمعية فنية في مصر تقام على غرار جمعيات السنباطي وأم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب لفنان غير مصري إضافة إلى فريد الأطرش .

 

استمد صباح فخري خصائص فنه من تربيته الدينية الروحية التي التزم بها منذ طفولته وتغلغلت في وجدانه وتفكيره عبر الإنشاد الديني الذي نشأ عليه ومارسه في حلقات الأذكار الصوفية , ومن تربيته الموسيقية التي درس فيها على أيدي أساتذته كل ما يتعلق بالموسيقى الشرقية والغناء في المعهد الموسيقي الشرقي ومن هاتين التربيتين ولا سيما الروحية منهما , نمت وترعرعت موهبته الموسيقية وانصهرت فيهما لتتفتح أمامه الآفاق الواسعة في كل ما أعطى .

.

.

برع صباح فخري في الغناء الديني الصوفي , وفي الغناء الدنيوي , وقد أحصى الأستاذ الياس بودن التونسي في كتابه بعنوان (صباح فخري ومسيرته الفنية) الذي نال عليه شهادة الماجستير عام 2004 , سبعاً وأربعين وثلاثمئة أغنية منها /110/ أغنيات من الطرب القديم الذي لا يعرف لها ملحن , وست وستون أغنية لحنها وغناها صباح فخري وتشتمل على موالات وقصائد وموشحات , وغنى من ألحان عمر البطش تسعة وعشرين موشحاً , ولعدنان أبي الشامات خمسة عشر موشحاً وثلاث قصائد ولسيد درويش دوراً واحداً وموشحين وخمس طقاطيق , ولأمين الجندي ستة موشحات وقدين وطقطوقتين , ولأحمد أبي خليل القباني أربع موشحات وأربع طقاطيق , ولكميل شمبير طقطوقتين ,ولمحمد عثمان ثلاثة أدوار وموشحين , ولداوود حسني ثلاثة أدوار وموشحاً واحداً , ولبكري الكردي أربع أغنيات ودوراً وموشحاً , ولعلي الدرويش موشحاً واحداً , ولنديم الدرويش موشحين وقصيدة واحدة , ولزكريا أحمد دورين , ولإبراهيم جودت ثلاث قصائد , ولكامل الخلعي موشحين , ولمنير أحمد قصيدتين ومديحاً واحداً , ولبهجت حسان قصيدة ومديحاً , ولعبد القادر المراغي موشحين , ولمجدي العقيلي سبع موشحات , ولعبد الرحمن المدلل موشحين ومديحاً واحداً , ولكل من الهلالي وحسن حكيم الشاذلي ومحمود صبح وأحمد الأبري وسليم المصري ويحيى السعودي وصالح المهدي وزهير متيني وعبد العال الجرشة وجلال الدين مجدمي موشحاً واحداً , وغنى لعبد الرحيم المسلوب وإبراهيم الدرويش ومحمد السباع وصافي زينب ومحمد محسن وسليم سروة وغالب طيفور وسامي الصيداوي وشاكر بريخان وصبري النجريدي وعزيز غنام واسكندر شلفون أغنية واحدة لكل واحد منهم , كما غنى أغنيتين لسهيل عرفة , إضافة إلى فاصل إسق العطاش لمحمد عقيل المنبجي الذي حققه الأبري .

 

منحه الرئيس السوري بشار الأسد عام 2007 , وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة .

 

 

.

المصدر : كتاب الموسيقا في سوريا