جواهر حلب

 

 

 

 

.

محمد خيري

 

عندما نذكر القدود الحلبية الجميلة، لابد أن نتذكر أحد مطربيها الكبار، وأعني المطرب «محمد خيري» صاحب الصوت القوي القدير الذي رحل في قمة عطائه وشبابه. ولو أن العمر امتد به أكثر لكان أحد قطبي الغناء الحلبي إلى جانب «صباح فخري».

 

 الولادة والنشأة

 

ولد «محمد خيري» في عاصمة الطرب حلب عام 1935. وكان أول تعلمه على يد والده الشيخ صاحب الصوت الجميل في تجويد القرآن الكريم، ومنه تعلم «محمد خيري» القرآن حفظاً وتجويداً، ثم انتسب إلى إحدى حلقات الذكر، فتعلم منها أصول الإنشاد وحفظ الكثير من الأناشيد والقصائد الدينية. أما على الصعيد الموسيقي، فقد تتلمذ على يد الموسيقي «بكري الكردي»، فأخذ عنه أصول الغناء الطربي والموشحات والقدود والقصائد، كما تتلمذ على يد «أحمد الفقش» الذي علمه المزيد من العلوم الموسيقية.

 

 بدايته الفنية

 

وأول نشاط قام به «محمد خيري» عندما شب قليلاً، كان الغناء في الأفراح في حلب. وما لبث أن انتقل يغني على مسارح حلب، وكان يقدم القدود الحلبية والموشحات. وعندما افتتحت إذاعة حلب إرسالها عام 1949، انضم «محمد خيري» إلى كورسها مردداً إلى جانب «صباح فخري» و«صبري مدلل» وغيرهم، وكان الكورس مدرسة حقيقية للغناء. كما خصصت له فترات يقدم خلالها غناءه الإفرادي الذي تضمن في مجمله الغناء التراثي. وسجل بصوته لإذاعتي دمشق وحلب الكثير من الأدوار والموشحات والقصائد القديمة وكان بينها ارتجالات، أدَّاها بطريقة جميلة حملت الكثير من الخصوصية له. ومن الموشحات التي غناها ( فاتر الأجفان) و(خلا العذار) «لأبي خليل القباني»، وموشح ( زارني تحت الغياهب) لحن «عمر البطش». أما الأدوار التي غناها فمنها ( ياقلبي ليه) و( قالوالي بتعشق)، وهما دوران قديمان مجهولا الملحن. ومن ارتجالاته الجميلة التي أداها باقتدار، الأبيات الشعرية ( قل للمليحة) وموال ( يامن بنورك حرير الهند).

.

 

 في دمشق

 

ومع بدء الإرسال التلفزيوني عام 1960، انتقل «محمد خيري» إلى دمشق، فقدم غناءه عبر الشاشة الصغيرة. وشارك في العديد من البرامج الموسيقية، منها برنامج (مع الموسيقا العربية) الذي أعدَّه وأخرجه «جميل ولاية». وسجل للبرنامج الكثير من الغناء التراثي. واشتهر بشكل خاص بفن الارتجال والموال، يساعده في ذلك صوته القوي ونفسه المديد وقدراته على التلوين والتصرف. وهذه كلها من مميزات المطرب الكبير. فاستطاع أن يقف مع مطربي الصف الأول في سورية إلى جانب «صباح فخري ومصطفى ماهر ورفيق شكري ونجيب السراج» وغيرهم. وأبدع كثيراً في أداء الموال حتى ألحقه النقاد بالمطربين الكبار الذين برعوا في غناء الموال أمثال: «صالح عبد الحي ومحمد عبد المطلب وعباس البليدي».

 

انصبَّ اهتمام «محمد خيري» على التراث، فغنى معظمه، سواء كان تراثاً من سورية أو مصر أو العراق، فجميعه غناء عربي. ومع ذلك قدم عدداً قليلاً من الأغنيات من تلحين كبار الملحنين السوريين، أمثال «مجدي العقيلي وإبراهيم جودت وبكري الكردي»، وجاءت معظم ألحانهم له في القوالب الغنائية التقليدية وبشكل خاص القصيدة والموشح. لكن أكثر من لحَّن له، كان الفنان «عدنان أبو الشامات»، وجميع ألحانه «لخيري» كانت في قالب الموشح، منها (خدعوا فؤادي) شعر «ابن سهل الأندلسي» و(ياقاتلي بالمقلتين) شعر «محمد حربلي» و(ياحبيب القلب صلني) شعر «عبد القادر رجب».

 

مكانة مرموقة

 

استطاع «خيري» أن يحقق مكانة عربية مرموقة في عالم الغناء. فزار العديد من البلدان العربية، وأحيى فيها الكثير من الحفلات، كما سافر إلى أميركا اللاتينية وغنى للجالية العربية. وفي أواخر سني حياته استقر في بيروت. وفيها دعاه الفنان «فريد الأطرش» ليغني في الكازينو الذي يمتلكه. وكان «فريد» يطرب لغناء «محمد خيري» ومواويله بشكل خاص، وكان لا يصعد إلى المسرح حتى يغني «محمد خيري» قبله لينتشي طرباً بمواويله.

 

 الرحيل

 

المشكلة التي كان يعاني منها «محمد خيري»، أنه كان فوضوياً في حياته، ولايضع لنفسه منهاجاً مبرمجاً في الغناء، كما فعل «صباح فخري». وإنما كان يغني بشكل مزاجي حسبما يتاح له. كما كان مسرفاً في حياته. وهذا انعكس على صحته وصوته، فبدأ صوته بالوهن. ورحل قبل أن يتم الخمسين من عمره. فبينما كان يقف مغنياً على أحد مسارح بيروت في شهر أيار من عام 1981، سقط على المسرح، وما لبث أن رحل في الثالث والعشرين من نفس الشهر والعام، مختتماً بذلك صفحة غنية من صفحات الغناء العربي الأصيل.

 

 

المصدر : موقع شرفات