جواهر حلب

 

 

 

 

.

نديم الدرويش {     -     هـ / 1926-1988م}

 

ربما كان نديم الدرويش , الوحيد من أبناء الشيخ علي الدرويش الموهوب موسيقياً , فأخوه الأكبر إبراهيم الدرويش , لم يكن على الرغم من تمكنه بالعلوم الموسيقية موهوباً , والألحان القليلة التي أعطاها كأغنية (أنا بياع الورود) لصباح فخري , وأغنيات أخرى بعضها على إيقاع التانغو غنتها مطربة ناشئة في فيلم (عابر سبيل) بطولة نجيب السراج , لم تضف شيئاً إلى الموسيقى , بخلاف أخيه نديم الدرويش الذي أولاه أبوه الشيخ علي مذ اكتشف فيه النبوغ والنباهة والذكاء عناية خاصة .

.

.

ولد نديم الدرويش في حلب عام 1926 , وعلمه أبوه العزف بالعود , واصطحبه معه كلما سنحت له الفرصة ولم يكن على سفر , إلى تكية المولوية التي كان أبوه فيها شيخاً من شيوخها , فتعلم الإنشاد الديني وشارك مع المريدين في حلقات الأذكار التي كانت تلعب فيها فتلة المولوية وناي أبيه الدور الرئيس فيها .

لم يكتف علي الدرويش بتعليم أولاده ولا سيما إبراهيم العزف بالعود , فالتدوين الموسيقي والنظريات الموسيقية والمقامات الشرقية كانت ترافق دروسه لأولاده , وكان نديم الدرويش هو المتفوق دائماً في كل هذا وبالعود خاصة , وإن كان الشيخ علي في الظاهر لا يميز واحداً من أولاده على الآخر , وإضافة إلى هذا , كان لأصدقاء أبيه ولا سيما الشيخ عمر البطش دوراً مهماً في تكوين نديم الدرويش موسيقياً , فهو الذي علمه ودربه على أوزان وإيقاعات الموشحات والقدود حتى صار فيها مرجعاً وهو الذي علمه أصول تلحين الموشح والقصيدة والدور المصري .

بدأ نديم الدرويش حياته موظفاً في مديرية مالية حلب , وعندما اتصل صباح فخري بأبيه ليستزيد منه علماً , دفعه لابنه نديم ليعلمه العزف بالعود وليرتبط مع بصداقة متينة , نجد آثارها في الألحان التي غناها له صباح فيما بعد .

رافق نديم الدرويش أباه في بعض سفرياته كان من أهمه بالنسبة إليه تلبية أبيه لدعوة التي ودهت إليه من إذاعة القدس عام 1944 , لتسجيل بعض الموشحات التي اعتمد فيها الشيخ علي على ابنه , وفي مدينة القدس التي أقام فيها بضعة أسابيع احتك بأعلام الموسيقى والعازفين من أمثال: روحي الخماش وإبراهيم عبد العال ويحيى السعودي والمطرب محمد غازي وباصيل سروة والد سليم وإيميل سروة والمعلم يوسف بتروني وغيرهم من الذين ارتبط معهم بصداقة موسيقية حقيقية لا سيما بعد نزوح هؤلاء جميعاً إلى سوريا في أعقاب نكبة تقسيم فلسطين 1948 .

 

تعاقد معهد حلب الموسيقي مع نديم الدرويش , للتدريس فيه , وظل يدرس فيه خمسة عشر عاماً , وفي أثناء عمله هذا , ترأس فرقة الكورال في إذاعة حلب وأشرف من خلالها على تسجيل عدد كبير من الأعمال التراثية .

 

وفي مستهل سني الثمانينيات كلف بتصنيف التراث الموسيقي والغنائي المحفوظ في إذاعة حلب وبتقديم برنامج أسبوعي خاص بالتراث وأعلامه , وظل يقدم هذا البرنامج لغاية وفاته عام 1988 .

 

من أهم الأعمال الموسيقية العملية التي أنجزها , الدراسة التطبيقية بين الإيقاع الشعري والإيقاع الموسيقي وقد اضطر من استعمالات المغنين في مد الأحرف أو قصرها , وقد لحن في هذا المجال عدداً من القصائد دعم بها دراسته .

 

تلقى نديم الدرويش في عام 1987 , دعوة من المعهد الدولي للموسيقى المقارنة في برلين , لتقديم موسيقى عربية خالصة , لا يشوبها أي مزج موسيقي , وقد استعان لهذا الغرض بعناصر من معهد حلب الموسيقي , قام بتدريبهم بنفسه على الموشحات والقدود والعرس الحلبي , وقاد بنفسه العرض الذي أعده في برلين ثم في إحدى المدن الهولندية بنجاح كبير .

 

لحن نديم الدرويش في ألوان الغناء كافة , منها عشرون موشحاً غنّا منها صباح فخري , موشح (يا غصناً مال مع النسيم) وموشح (بدت لنا في طالع الإسعاد) , وعدد من القصائد الغزلية والدينية من أبرزها قصيدتا (أطياف) و (حسناء) وقصيدة (أدعوك يا رب) التي نظمها عمر بهاء الأميري وغناها صباح فخري , ودورين جميلين هما (يوم الوداع) و (أصبر يا قلبي) , إضافة إلى عدد من الأغاني الشعبية التي اشتهرت منها أغنية (رد السلام) واسكتشاً واحداً بعنوان (رمضان في حارتنا) , كذلك اهتم بالتأليف الموسيقي فألف في قوالب الموسيقى الشرقية عدداً من السماعيات واللونغا من أجملها (سماعي حجاز كار كردي) .

 

ويعد نديم الدرويش بعد هذا من الموسيقيين المحافظين والمتعصبين للموسيقى الشرقية , رفض كل جديد ومستحدث لأنه في نظره لا يخدم الموسيقى العربية بل يشوهها , ومن هنا نراه في كل أعماله صورة عن التراث الذي أحببناه , ولكن بحلة جديدة تواكب إلى حد ما الزمن الذي عاش فيه .

توفي نديم الدرويش بعد وعكة صحية آلمت به عام 1988 .

 

 

 

المصدر : كتاب الموسيقا في سوريا