جواهر حلب

 

 

 

 

.

صبري المدلل { 1337 هـ / 1918_2006م}

 

.

ربما كان صبري المدلل آخر الفنانين الكبار من أبناء جيله , وهو الوحيد بين أقرانه الذي لم يأخذ حقه في الحياة فناناً أصيلاً , إلا عندما تجاوز الستين من عمره .

 

ولد صبري بن أحمد المدلل عام 1918 , واسمه الحقيقي محمد المدلل , في السادسة من عمره ألحقه أبوه بشيخ الكتّاب فتعلم قراءة القرآن الكريم , صوته الجميل لفت أنظار أبيه إليه , فصار يصحبه معه إلى حلقات الذكر في بعض الزوايا الصوفية التي تلقف منها وحفظ عدداً من التوشيحات التي مال إلى أنغامها أكثر من كلامها .

 

في الثانية عشرة من عمره تتلمذ على يدي عمر البطش الذي أولاه عناية خاصة , فأغنى معارفه حتى استقام له كل شيء , وهو طوال ملازمته لعمر البطش لم يقطع صلته بالزوايا الصوفية التي ظل يتردد عليها ويتعلم من شيوخها حتى صار من أقوى منشديها .

 

عمل في بدايته مؤذناً , وقبس تجويد آية الذكر الحكيم وغناء الموشحات والقدود الدينية والدنيوية من شيوخ المذاهب الصوفية , وفن غناء الموال الشرقي من أحمد الفقش سيد من غنى الموال في حلب , كذلك قبس فن غناء القصيدة بنوعيه الارتجالي والملحن عن طرب الراحل أحمد سالم .

 

أحب ألحان الملحن الحلبي القدير بكري الكردي , فغنى له بعض أعماله في إذاعة حلب عام 1949 ويعود الفضل إلى المدلل في ذيوع وانتشار طقطوقة "ابعت لي جواب" التي غدت من وراء ما أضفاه عليها في الأداء , أغنية سائرة , وقد حفزته هذه الأغنية فيما بعد , لأن يغني من محفوظاته رائعة زكريا أحمد "يا حلاوة الدنيا" التي تفوق فيها على صاحبتها "فتحية أحمد" , محفوظاته لأعمال الكبار أثرت فيه تأثيراً قوياً ولا سيما في الدينيات .

.

 

.

لم يستطع صبري المدلل العمل في إذاعة حلب على الرغم من نجاحه , ويذهب بعض العارفين بأنه ترك العمل الموسيقي بسبب أرضيته الدينية , لأنه عمد بعد تركه الإذاعة مباشرة , إلى تأسيس فرقة للإنشاد الديني من كبار المنشدين المعروفين في حلب , التي صارت تقدم حفلاتها الخاصة في الأعياد والمناسبات الدينية المختلفة في الجوامع والتكايا , وبعد سنوات على ذلك , ضم للفرقة عدداً من العازفين المرموقين , ليقدم خلالها ألواناً من الطرب التراثي الجميل الذي كان يحن إليه مذ أقلع عن الغناء في الإذاعة , وظلت هذه الفرقة تعمل بإشرافه وتوجيهه أكثر من عشر سنوات حتى غدت من رموز حلب الموسيقية .

 

دعي المدلل مع فرقته للمشاركة في مهرجان الموسيقى العربية الذي عقد في باريس عام 1989 , فحقق نجاحاً لم يتوقعه , ثم دعي في العام ذاته للغناء في مهرجان قرطاج , فأذهل التونسيين المحبين للطرب بباعه الطويل في ضروب الأغاني التي غناها .

 

لم تقتصر حفلات صبري المدلل وقد تجاوز الثمانين من عمره على باريس وتونس , إذ رافق فرقة الكندي التي أسسها عازف القانون الفرنسي "جوليان فابس" في جولاته إلى مختلف المدن والعواصم الأوربية وإلى البرازيل واستراليا دون أن يقف عامل السن حائلاً بينه وبين رغبته في تقديم ما اصطلح على تسميته بالسهر الحلبية بكل فنونها وإبداعاتها , لتعريف الناس في أصقاع الدنيا على ما تمتاز به مدينة حلب عن غيرها من المدن بالتراث الموسيقي الذي تملكه وتفتخر به .

 

صوت صبري المدلل هو بحد ذاته ظاهرة , فهو على الرغم من تقدمه في السن وتراجع مساحات صوته كان ما زال يمتلك القدرة في التحكم بالطبقات الصوتية الثلاث , المنخفضة والمتوسطة والمرتفعة , والتكيف في الانتقال بين النغمات بسهولة دون عناء يذكر .

 

غنى صبري المدلل الليالي والموال فأجاد , وغنى القصيدة المرتجلة فأبدع , وشدا بالموشحات فحلق , وتضرع بالابتهالات والتوشيحات فتألق , وكان إلى ما قبل وفاته عام 2007 يعيش حياةً هادئة , دون أن ينسى أوقات الصلاة فكان يؤذن في الجامع الأموي الكبير , تماماً كما كان يفعل في شبابه .

 

 

 

المصدر : موقع شرفات