جواهر حلب

 

 

 

 

 

(إلياس) توفيق الصباغ {1310-1384هـ / 1892-1964م}

 

توفيق الصباغ من أبرع الموسيقيين والمؤلفين والعازفين .

لقب بـ(ملك الكمان) لمقدرته الخارقة في العزف على هذه الآلة , وشدة تأثيره على السامعين بأسلوبه الساحر الأخاذ في التقاسيم والتفريد .

 

من أبرز من كتبوا وألفوا الكتب والأبحاث في تعليم الموسيقى , في وقت مبكر من القرن العشرين .

خلف مجموعة كبيرة من المؤلفات الموسيقية في قوالب شتى , كالسماعي والبشرف واللونغا والدولاب وغيرها , إن الصباغ كان من أعظم الموسيقيين الذين عرفهم الوطن العربي .

 

ولد الأستاذ الفنان توفيق بن فتح الله الصباغ في مدينة حلب سنة 1892م , بدأ تعلمه في مدرسة الروم الكاثوليك , فأجاد اللغتين العربية والفرنسية , ومال إلى تعلم الموسيقى , فكان يرتل أناشيد الكنيسة في جوقة المدرسة نظراً لجمال صوته آنذاك , ثم برع في الموسيقى اليونانية , وحذق الخط العربي , وكان له نشاط ملحوظ في الفرقة الموسيقية النحاسية التابعة لمدرسته , وكان منذ ذلك الحين يحب آلة الكمان , والموسيقى عموماً , فكأنه قد ورث حبها والتعلق بها عن والده الذي كان من كبار العازفين على آلة القانون .

 

ولكنه ترك الدراسة والمدرسة وعمل كاتباً في أحد المحلات التجارية في حلب لبضع سنوات , وحين بلغ الثامنة عشر من عمره انتقل إلى مصر, وفيها أكبَّ على إتقان العزف على آلة الكمان حتى أصبح من العازفين المرموقين , ثم شدَّ الرحال إلى السودان عام 1915 , وعمل هناك بالتجارة بعد أن اندلعت الحرب العالمية الأولى وركدت سوق الفن في مصر وما لبث أن عاد سنة 1916 إلى مصر , وتخصص بالعزف على آلة الكمان , وظل في مصر عشر سنوات إلى أن غدا علماً كبيراً من أعلام الموسيقى ولقب بملك الكمان .

 

وقد قضى الفترة ما بين 1916 إلى 1918 يعاني من اليأس والفقر والعذاب تارة , ومن الشعور بالسعادة والطمأنينة تارة ثانية , بحسب تقلبات أحواله , بين فاقة ويُسر , إلى درجة أنه كان يفكر في الانتحار أكثر من مرة , وظلَّت حاله كذلك إلى أن عاد إلى حلب سنة 1921 أو 192 , فتابع نشاطه الفني وتزوج سنة 1923 ورزق بغلام , فتبددت هواجسه ومخاوفه , وذاق طعم الاستقرار والراحة والهناء إلى حين  , ولم يكد ينعم بذلك حتى فقد زوجته بعد سنة ونصف ثم فقد ولده , مما ترك في قلبه جرحاً , فعاد إليه اليأس والقنوط فأقدم على الانتحار ولكن تمَّ إنقاذه آخر الأمر .

 

وبعد سلسلة الحوادث الأليمة التي مرت به غادر حلب إلى دمشق وأقام فيها مدة , حيث افتتح فيها مدرسة موسيقية , وما لبث أن سافر بعدها إلى مصر بعد اندلاع الثورة السورية , ومكث هناك حتى هدأت الأحوال فعاد إلى دمشق , وتنقل بين دمشق وبيروت , حيث سجل بعض الاسطوانات في بيروت , ثم عاد إلى حلب عام 1926 وحاول افتتاح مدرسة لتعليم الموسيقى فأخفق في مسعاه , فغادر إلى بيروت ثم دمشق حيث استقر هناك مدة طويلة .

 

أعماله ومؤلفاته: ألَّف الصباغ وكتب العديد من الأعمال فضلاً عن تدريسه الموسيقى ومحاولاته تطوير بعض آلاتها , فمن ذلك كتاب (تعليم الفنون _ المجموعة الموسيقية) 1932م , الذي وضع فيه معظم مؤلفاته وبعضاً من مؤلفات غيره من موسيقيين عرب وأتراك , ومنها بشارف وسماعيات ولونغات كانت معروفة ورائجة في ذلك الحين , وكتاب (الدليل الموسيقي العام) 1950 , الذي يعد موسوعة كبيرة ضمت كل ما يعنى به الموسيقيون المتعلَمون والمحترفون من أصول الموسيقى ونظرياتها , وأساليب العزف على الآلات العربية والشرقية , وفي عام 1951 أصدر كتاب (الدليل العام في أطرب الأنغام) ,ورسالة يبحث فيها (النغمات وتواترها الفيزيائي) , وغيرها من الأبحاث .

 

ومن حسن الطالع أن الصباغ قد حفظ معظم مؤلفاته الموسيقية في بعض كتبه , ولكن أغلبها لم يسجَّل , وإن كان في أرشيف الإذاعة السورية بعض هذه المؤلفات التي سجلها بنفسه على آلة الكمان , ومن ذلك مقطوعات (الوداع , طلوع الفجر , الكمنجة تتكلم) , وبعض السماعيات والبشارف وتقاسيم حرة , من مقامات مختلفة .

 

شارك في تأسيس النادي الموسيقي السوري عام 1928 , ونادي الفنون الجميلة عام 1930 , كما شارك في تأسيس الإذاعة السورية في حلب عام 1945 وعمل فيها وقدم الكثير من النشاطات , منها تدوين فاصل (اسق العطاش) , وأعمالاً تراثية أخرى , وظل يعمل في الإذاعة حتى وافته المنية في 16 / كانون الأول عام 1964 , بعد أن ترك من الآثار والأعمال الفنية تأليفاً وتلحينا وبحثاً وتطويراً للموسيقا ما يشهد له بعبقريته وريادته وفرادته .

 

 

 

 

المصدر : موسوعة مئة أوائل من حلب