جواهر حلب

 

 

 

 

 

.

عمر البطش {1303-1370هـ / 1885-1950م}

 

إذا كانت حلب تتيه على سائر المدن بأعلامها من الموسيقيين والوشاحين والفنانين فمن الحق أيضاً أن تتباهى وتتسامى بعبقري فنِّها , ووشَّاحها الأكبر , حامل لواء فن الموشح وفن رقص السماح بلا منازع (عمر البطش) , هذا البنَّاء البسيط الذي كان يتعامل مع الحجارة الحلبية نحتاً وزخرفة وهندسة هو نفسه البنَّاء المفنُّ الذي أرسى صرح فن الموشح الحلبي .

 

وعمر البطش هو نفسه الذي تلقف أصول فن رقص السماح القديمة الرتيبة فنفخ فيها من روحه المفعمة بالحياة والظرف والرقَة , ليحيلها حركاتِ وخطواتِ وصوراً وأشكالاً تتلامح فيها صبوات الفنان وعواطف الإنسان , وهو الذي علَّم الموسيقار محمد عبد الوهاب درساً في فن ارتجال اللحن الخالد .

 

نشأته الفنية: ولد عمر بن إبراهيم البطش في مدينة حلب سنة 1885م , من أسرة حلبية كريمة متواضعة , بعد أن نال حظه من تعلم القراءة والكتابة درج مع خاله الحاج بكري القصير يتعلَّم مهنة البناء والعمارة فضلاً عن مهنة والده إبراهيم في إحراق الأحجار واستخراج مادة الكلس منها , وظل يزاول مهنته تلك ما يقارب ثلاثين عاماً , بيد أنه كان يميل منذ الصغر إلى مرافقة خاله بكري القصير لما يتمتع به الأخير من حبٍّ للفن , واختلافٍ إلى حلقات الأذكار والإنشاد , مشاركاً , ورئيساً لنوبة من نوبات مشايخ الطرق الصوفية , وكان هذا الفنان الأصيل يصطحب ابن أخته عمر إلى تلك المجالس الصوفية الفنية بعد أن تفرَّس فيه النجابة والذكاء والنبوغ , فاعتنى به كل العناية , وأخذ بيده على الطريق التي شاءها القدر لعمر الصغير .

 

ولمَّا أنس الخال في ابن أخته شغفاً بالفن , وتوقاً إلى المزيد منه حفزه إلى ارتياد المناهل الأصيلة عند جهابذة الفن في حلب آنذاك , فراح عمر الفتى يأخذ عن الشيخ أحمد عقيل والشيخ صالح الجذبة وأحمد المشهدي وأحمد الشعار ومصطفى المعظم , وحذق عن هؤلاء فن الموشحات , فحفظ منها الكثير الكثير , ودرس علم النغمات والأوزان , واستهواه رقص السماح فتعلَّمه , وبرع فيه وأبدع.

 

ولم يكد عمر يبدأ نشاطه في التلحين والإنشاد والتدريس حتى اضطر إلى الالتحاق بالجندية الإجبارية سنة 1905م , وكان عمله في الجندية عازفاً في الفرقة الموسيقية بعد أن تعلم العزف على آلة (البكلة) , وأفاده عمله هذا في تعلّم أصول التدوين الموسيقي (النوتة) , وانتهت خدمته تلك فعاد إلى مدينته حلب ليشارك في أجوائها الغنائية والموسيقية , فعمل ضابطاً للإيقاع في أكبر مسارح حلب .

.

 

.

وما لبث عمر في دأبه على التعلم والتعليم والإبداع والتلحين حتى استدعي إلي الجندية ثانية إبَّان قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914م , فكان عازف آلة (الترومبيت) في الفرقة الموسيقية العسكرية الخاصة بالوالي العثماني جمال باشا , الذي استيقظ يوماً على صوت لحن أثار انتباهه وأعجب به أيما إعجاب , فاستدعى المشرف على الفرقة وسأله عمن يعزف هذا اللحن ولمن هو , فكان عمر البطش هو صاحب ذلك اللحن والصوت , فأكرمه ذلك الوالي الذي لم يعرف إلا بالقسوة والجور , واستطاع البطش بموسيقاه أن يؤثر في النفس التي لا يتصور أن ترق أو تلين , وكانت تلك المرحلة في حياة البطش في دمشق فرصة سانحة لكبار الفنانين الدمشقيين , فالتقوا بالبطش وأخذوا عنه الكثير من الموشحات وضروب الأوزان , وأصول رقص السماح .

.

 

.

لقد قضى الفنان الكبير عمر البطش جل سنوات عمره في التعلُّم والتعليم والإبداع.. وذلك بعد أن نهل من معين الفن الأصيل , فحفظ المئات من الموشحات بأشعارها وألحانها وأوزانها ومقاماتها المختلفة , وقد سخَّر الشيخ البطش هذا العلم الغزير وهذه الموهبة الفذة خدمة لطلاب العلم والفن , فكان يدرس ما تعلمه وما تفيض به قريحته من موشحات يلحنها بنفسه , فكان بيته مقصد شداة الفن الأصيل من حلب وغيرها .

 

وقد دعي الشيخ عمر البطش إلى دمشق بغية تدريس فتيات مدرسة دوحة الأدب الموشحات وتدريبهن على رقص السماح , وقدم عام 1947 وصلات من الموشحات بمرافقة هذا الرقص الجميل من المقام البياتي والحجاز وكان لهذه الحفلة صداها الكبير في المجتمع الدمشقي مما لم يكن له به عهد من قبل , وإثر هذا النجاح المنقطع النظير الذي حققه البطش دعي للتدريب في المعهد الموسيقي بدمشق .

 

وحينما أسست الإذاعة في حلب عام 1949 عاد البطش إلى مدينته وأصبح مدرباً لفرقتها الغنائية , التي ضمت عدداً من الذين أمسوا من كبار المطربين والموسيقيين فيما بعد... وبذلك أصبح البطش عمدة فن الموشحات ورقص السماح لا في حلب وحدها وإنما في سوريا والوطن العربي كله بما قدمه من غزير إنتاجه , ورائع إبداعه , فأعاد للموشح الأندلسي والحلبي مكانته المرموقة , ولرقص السماح حياته وحيويته .

 

وكما نعلم أن الشيخ سيد درويش قد زار الشام ومنها حلب مرتين على الأقل ما بين عامي 1909-1912 , ومن المعتقد أو من الممكن أن اللقاء بين البطش والسيد درويش قد تم قبل 1912 أي قبل سفر البطش إلى المحمرة , وهذا ما يفسر عناية البطش ببعض موشحات السيد درويش التي لم يلحن لها (خانات) , فاستدرك البطش على سيد درويش وقام بتلحين خانات لهذه الموشحات ومنها يا شادي الألحان , طف يا دُرِّي , العذارى المائسات , وغيرها .

.

 

.

أما فيما يتعلق بلقاء البطش بمحمد عبد الوهاب , فقد زار الفنان الناشئ آنذاك محمد عبد الوهاب حلب جرياً على عادة الفنانين المصريين والعرب في زيارة حلب مهد الفن ومعقله الحصين , وكان ذلك بين عامي 1933/1934 , وبعد إحدى الليالي التي أحياها محمد عبد الوهاب مطرباً في حلب دعي إلى سهرة حلبية ضمت الشيخ عمر البطش والشيخ علي الدرويش , ونخبة من فناني حلب ومتذوقي الفن فيها , استمع محمد عبد الوهاب إلى الكثير من الموشحات والقدود والقصائد , وانتهز الفرصة فطلب من فناني حلب أن يسمعوه موشحات من مقام السيكاه الأصلي .

 

ولم يكن في تراث حلب وغيرها موشحات من هذا المقام فكل الموشحات هي من مقام الهزام الذي لا يختلف عن السيكاه إلا في دقائق وجزئية صوتية لا يدركها إلا المتخصصون في هذا الفن , فدهش الحضور , ولكن البطش سارع إلى القول بأنهم سوف يلبون طلب الفنان الضيف في سهرة الغد , ولما انصرف الساهرون جرى جدال حاد بين البطش والشيخ علي الدرويش العالم بتراث حلب من الموشحات , وأنكر عليه هذا الوعد , ومن أين لهم أن يسمعوه شيئاً غير موجود , فطمأنه البطش متحدياً بأنه سوف يقوم بوضع موشحات من هذا المقام لكيلا يجد هذا الفنان مأخذاً على الفن الحلبي العريق , وفنانيه الكبار , ولم يغمض للبطش جفن تلك الليلة حتى أبدع وصلة كاملة من الموشحات من مقام السيكاه , وعمل على تحفيظها بعض طلابه من المنشدين والمطربين , وفي الموعد المضروب استمع محمد عبد الوهاب إلى تلك الموشحات كما طلب واستمتع بها من غير أن يعلم كيف تم ذلك ويا ليته علم لازداد إعجاباً بفن البطش وعبقريته الفذة , ومن هذه الموشحات: يا معير الغضن _ رمى قلبي رشا أحور , وموشح آخر سماعي دارج .

 

عمر البطش ورقص السماح: هذا الفن ينسب أكثر ما ينسب إلى الشيخ عقيل المنبجي (550هـ) فإن الفنان عمر البطش هو الذي بعث الحياة فيه من جديد , ونفخ فيه من روح الإبداع مما جعله فناً محبباً ومرغوباً بعد سبات دام قروناً عدة من الزمان , فأخذ البطش منه أصول هذا الفن , كما أخذ عنه عشقه له حتى غدا فيما بعد الأستاذ المتفنن في العالم العربي لهذا اللون من الفن الغنائي الراقص , ذلك أنه لم يقتصر على تقديم ما تعلَّمه وإنما أضاف من لدنه مبتكراً وصلات عدة للموشحات القديمة والتي لحنها بنفسه , من مقامات وضروب مختلفة , مثل: الراست والحجاز والبيات , وعلى أوزان المحجر والمربع والمدور والمخمس والسماعي والثقيل والدراج , ولم يكن قبله من أعلام رقص السماح من ابتكر مثل هذه الوصلات الجديدة البديعة .

.

 

.

 

إبداعه الفني: يعدُّ الفنان الكبير عمر البطش بحق ملحن الموشحات (الحلبية) الأول وبلا منازع , كان بلا ريب الوشَّاح العربي الأول في القرن العشرين , هذا فضلاً عن أنه تخصص بتلحين هذا القالب الغنائي العربي الأصيل , فلم يلحن إلا الموشح (الغزلي والديني) , وما من شك أن الموشحات التي لحنها البطش , وكثير منها يشكِّل وصلات كاملة من مقامات موسيقية غير مطروقة كالكياه والسيكاه وغيرهما , تتميز بالثراء الفني , والدقة والإتقان , فضلاً عن جمالها ورشاقتها , وامتلائها بعناصر الطرب , واتسامها بالأصالة الواضحة .

 

 

 

 

المصدر : موسوعة مئة أوائل حلب