جواهر حلب

 

 

 

 

.

علي الدرويش {1302-1372هـ / 1884-1952م}

 

الشيخ علي الدرويش علم الموسيقى الكبير وعالمها الجليل في حلب والوطن العربي .

هو رائد البحث والتأليف الموسيقي في القرن العشرين , فضلاً عن كونه المعلم الذي يشار إليه بالبنان خلال ما ينوف على نصف قرن من الزمان .

 

كان الشيخ علي الموسيقار الموسوعي , الذي عرف مختلف الموسيقات الشرقية , من عربية وتركية عثمانية وفارسية وهندية وأوربية , وأفاد منها جميعاً.

 

لم يكن الشيخ علي الدرويش موسيقاراً حلبياً ترك أثره وآثاره الحلبية في مدينته فحسب , وإنما كان موسيقاراً باحثاً معلماً , جاب كثيراً من البلدان العربية وغير العربية , وخلّّف في كل طلبةً وتلامذة , أصبحوا فيما بعد من أقطاب الموسيقى العربية , ومن منا لا يعرف الموسيقار محمد عبد الوهاب والموسيقار رياض السنباطي وأم كلثوم , والدكتور صالح المهدي , والشيخ بكري الكردي , والفنان الكبير صباح فخري , والأستاذ نديم الدرويش , فهؤلاء وغيرهم هم من بعض تلامذته .

 

ولد علي بن إبراهيم الدرويش في محلة الفرافرة بحلب سنة 1884م , وكان والد الشيخ علي (إبراهيم) يعمل في تجارة الأقمشة , وكان متعلماً ذا صوتٍ جميل , وقد أولع بأصحاب الطريقة المولوية (المنسوبة إلى المتصوف الشاعر جلال الدين الرومي) , فكان يحضر مجالسهم حتى أضحى أحد أتباعهم , مما قوى في نفسه ميله إلى الغناء والموسيقى , ولا سيما الصوفية , إلى أن وافاه الأجل سنة 1926م , وقد كان لذلك أثره البالغ في نفس ولده علي , الذي نشأ محباً للموسيقى عامة , والصوفية منها على وجه الخصوص , إلى جانب دراسته الابتدائية في المدرسة الأشرفية , وتحصيله بعض العلوم الدينية في المدرسة العثمانية .

 

وبعد فترة من مرافقته والده إلى التكية المولوية وحضوره مجالسها أنس شيخ التكية (عامل جلبي) في الصبي ولعه بالفن , ومشاركته في الإنشاد فاختاره ليكون مؤذن التكية لثلاثة أوقات .

.

 

 

.

وما لبث أن تعرف هناك على أستاذه الأول (كوجوك عثمان بك) , فتلقى على يديه علوم المقامات والإيقاعات والألحان المولوية الخاصة , كما أخذ مبادئ في علم (الصولفيج) وقراءة (النوتة) على أستاذه (مهران السلانكلي) ثم تعرف إلى الأستاذ الكبير (شرف الدين بك) الناياتي , الذي كان يزور حلب آنذاك , فأفاد منه الشيخ علي ما أمكنه من تعلم قواعد النفخ بآلة الناي , وعلم التدوين الموسيقي وبعد بضع سنوات من إنهائه مرحلة التحصيل الابتدائي أخذ يدرس الموشحات على أيدي كبار الفنانين والموسيقيين الحلبيين , من أمثال: أحمد الشعار وأحمد جنيد وأحمد عقيل وصالح الجذبة ومحمد ديبو الإدلبي وأحمد الشيخ الشريف .

.

 

 

.

وكان الشيخ علي يدون كل ما يحفظه من أساتذته من تلك الموشحات والقدود وغيرها من قوالب التراث الموسيقي والغنائي ويوثقها , وفي هذه الفترة كان قد تخرج من المدرسة العثمانية فلقب بالشيخ علي لدراسته الدينية , وبالدرويش لانتسابه إلى الطريقة المولوية , ثم احترف الغناء مدة من الزمن ما لبث بعدها أن شدَّ الرحال مسافراً .

 

رحلاته وأسفاره: في العام 1912م عزم الشيخ علي الدرويش على السفر , فشدَّ الرحال إلى إمارة (المحمرة) في عربستان لتلبية دعوة أميرها (الأمير خزعل - 1936م) , وكان على رأس مجموعة من الفنانين الكبار , كان من بينهم الفنان الكبير الشيخ عمر البطش , ومكث الشيخ علي هناك مدة سنتين لم يقتصر عمله فيها على إقامته الحفلات ومجالس الطرب للأمير , وإنما انتهز فرصة وجوده هناك للاطلاع على الغناء والموسيقى الفارسية , كما عمل مدرساً ورئيساً للفرقة النحاسية التابعة لقصر الأمير , وقبيل عودته إلى حلب سافر إلى (بومباي) في الهند , وطهران ثم بغداد والبصرة , فأفاد من موسيقى تلك البلدان , وما بين عامي 1914-1923 كانت رحلته إلى تركيا طالباً للعلم ومدرساً ومؤلفاً , وتم تعيينه في قسطموني سنة 1914 .

 

وفي قسطموني عمل مدرساً للموسيقى في المدارس الثانوية السلطانية وفي دار المعلمين الصناعية ومدرسة الميتم الإسلامي , وأصهر إلى أهل قسطموني فتزوج إحدى الفتيات من أسرة قسطمونية , أنجبت له أولاده إبراهيم ونديم ومصطفى , وفي أثناء إقامته هناك كان قد انتسب إلى (دار الألحان) في استانبول.

 

وقد توَّج الشيخ أعماله أثناء إقامته في تلك المدينة فعكف على تأليف كتابه الكبير في الموسيقى وهو (كتاب النظريات الحقيقية في علم القراءة الموسيقية) الذي أخذ منه جهداً كبيراً .

.

 

 

.

هذه الفترة التي دامت قرابة تسع سنوات من حياة الشيخ علي كانت من أغنى مراحل حياته , ففيها استكمل علومه ومعارفه الموسيقية من مصادرها الأصلية , وأخيراً فقد شهدت هذه المرحلة مؤلَّفه الموسيقي الأكثر أهمية والذي غدا منهاجاً موسيقياً قام بتدريسه بعد ذلك في حلب ومصر وتونس وبغداد .

 

بعد عودته إلى حلب مكث زمناً ينشط في التدريب والتأليف الموسيقي , وتشكيل الفرق الغنائية والموسيقية , ودأب الشيخ علي كعده في تقديم علومه ومعارفه أثناء التدريب , فضلاً عن نشاطه العلمي والبحثي في بلاد تونس والمغرب , واستفاد من مكتبة المستشرق ديرلانجيه , والعكوف على المخطوطات والكتب قراءة ونسخاً وتدويناً وتحقيقاً .

 

وكان من ثمرة هذه الجهود المتواصلة جمعه وتدوينه لنحو من أربع عشرة نوتة أندلسية , مع ملحقاتها , ومجموعة من الموشحات الأندلسية , كما استطاع الشيخ علي آنذاك أن ينسخ مخطوط كتاب أبي نصر الفارابي (الموسيقى الكبير) , ويحتفظ به قبل أن يعرفه أحد , وبعد وفاة صديقه المستشرق ديرلانجيه 1933 , أخذ الشيخ علي الدرويش يعمل في الإذاعة التونسية إلى جانب التدريس , ويقوم برحلات في بلاد المغرب العربي وأوروبا , فزار كلاً من إيطاليا وفرنسا وألمانيا وشهد واستمع إلى ما كان يقدم على مسارح تلك البلدان من موسيقى كلاسيكية , فأعجب بها ولا بد أنه تأثر بذلك .

 

في عام 1939 قفل الشيخ علي عائداً إلى حلب بعد أن خلَّف في تونس والمغرب آثاراً علمية وفنية .

.

 

.

وفي أثناء مكوثه في حلب حتى عام 1941 أسهم الشيخ علي في كثير من الأنشطة الموسيقية والغنائية والاجتماعية والوطنية , فكان عضواً مؤسساً في النادي الموسيقي بحلب إلى جانب كل من الشاعر الكبير (عمر أبو ريشة) والفنانين أحمد الأبري وفؤاد حسون وممدوح الجابري ومجدي العقيلي وعبد اللطيف النبكي ويوسف حجة , كما كان يقوم بتدريس أصول الغناء والعزف على الآلات الموسيقية ولاسيما الناي , كما كان ينشر بعض المقالات والأبحاث في بعض الصحف الحلبية , ولاسيما صحيفة الدستور ولم يكن الشيخ علي في هذه الفترة أو غيرها بعيداً عن هموم وطنه , وطموحات شعبه , فقد كان يسهم في الحركة الوطنية ضد الانتداب الفرنسي , ويقوم بتلحين الأناشيد الوطنية والقومية بتشجيع من الزعيم إبراهيم هنانو .

 

في العام 1942 سافر الشيخ علي إلى دمشق بعد أن تم تعيينه مدرساً وعميداً في القسم الشرقي في المعهد الموسيقي بدمشق , لمدة تسعة أشهر فقط , بسبب إغلاق المعهد .

 

وفي العام 1943 دعي الشيخ علي إلى القدس لتسجيل بعض الموشحات والأدوار وبعض الأعمال الخاصة , وكان بصحبته نجله نديم الدرويش والفنان الحلبي أحمد الفقش , وتعرف هناك إلى نخبة من كبار الفنانين من أمثال: يوسف بتروني ويحيى اللبابيدي وروحي الخماش .

 

وفي عام 1945 إلى عام 1951 سافر إلى العراق بدعوة رسمية من وزارة المعارف العراقية للتدريس في معهد الفنون الجميلة في بغداد , كما سجل في إذاعة بغداد عدداً من الألحان التراثية , وأشرف على الفرقة الغنائية والموسيقية فيها .

 

عاد إلى حلب في صيف 1951 بعد استقالته من العمل في العراق بسبب المرض , وعلى الرغم مما ألمَّ به من مرض , دأب على المشاركة في معظم الأنشطة المتصلة بعالم الموسيقى والغناء في حلب , فدرَّس في المعهد الموسيقي الذي أسسه مع الأديب الفنان فؤاد رجائي , إلى جانب الفنان الشيخ عمر البطش والفنان الروسي المولد والحلبي الإقامة ميشيل بوريسنكو مدرس الكمان والموزع الموسيقي والأستاذ مجدي العقيلي وشكري الأنطاكي ونديم وإبراهيم الدرويش وبهجت حسان وهاشم فنصة .

 

وفي إذاعة حلب التي كانت في بداية تكوينها وازدهارها عمل الشيخ علي على تسجيل مجموعة من الموشحات والنوبات الأندلسية والمغربية التي دونها وحققها حينما كان في تونس .

 

وفي يوم الخميس 12/ربيع الأول/1371هـ الموافق 26/تشرين الثاني/1925م توفي الشيخ علي عن ثمان وستين عاماً , ودفن في مقبرة أقيول .

.

 

.

أعماله الغنائية والموسيقية: بلغت أعمال الشيخ علي الدرويش الغنائية والموسيقية ما يقارب ثلاثين عملاً , تمتاز بالأصالة والجمال والغنى الفني , كما تتسم بالتنوع والثراء وهي:

 

الموشحات: 1- يا قاتلي بالتهديد (مقام: راست , إيقاع: أقصاق تركي) , 2- مائس الأعطاف (نهوند , نواخت) , 3- آه من نار جفاهم (نوى أثر / قتاقوفتي) , هل لمفتون العيون (نكريز / دور هندي) , 5- يا ساكناً بفؤادي (سيكاه / ورش) .

 

الأناشيد والأغاني: 1- نشيد الأيتام , 2- نشيد هنانو , 3- أغنية .

الأعمال الموسيقية: للشيخ علي الدرويش /11/ قطعة من قالب السماعي في المقامات التالية:

 

1- شت عريان , 2- حسيني عشيران , 3-عجم عشيران , 4- دلكش حوران , 5- بستنكار , 6- راست كبير , 7- نهوند , 8- نكريز , 9- زنكلاه , 10- صبا , 11- سيكاه .

البشارف: له ست بشارف , من المقامات: 1- بستنكار , 2- حيِّان , 3- نكريز , 4- زنكلاه , 5- حجاز كار , 6- صبا زمزمة , وله قطعة واحدة من قالب اللونغار هي لونغا فرح فزا .

 

وله أيضاً قطعة موسيقية متميزة ذات طابع تركي , والمسماة بـ آيين شريف (الألحان القدسية) وهي نوع من الألحان الصوفية الخاصة بالطريقة المولوية , وكلماتها بالتركية والعربية .

 

وأخيراً له قطعتان من قالب (المارش) العسكري , هما: 1- مارش قسطموني , 2- مارش الاستقلال .

 

 

 

 

المصدر : موسوعة مئة أوائل من حلب