جواهر حلب

 

 

 

 

 

 

 

حكاية مبّيِّض النحاس

 .

كان نور الصباح يبدد حلكة ظلام الليل واليوم يشرف على بدايته , فيما يخرج عبد الرحمن من بيته المتواضع الكائن في طرف القرية وتتجه له زوجته تحمل معها إبريق الشاي ورغيف الخبز وتضعه بجانبه , حيث جلس في باحة منزله المحاطة بالصفيح .

 

زوجة عبد الرحمن : الله يصبحك بالخير يا عبد الرحمن

عبد الرحمن :  صباح النور

وتبدأ الزوجة بصب الشاي فيما يضع عبد الرحمن الزعتر داخل الرغيف

الزوجة : أنا أرى أن تبحث لك عن عمل غير هذا العمل , فعمل مبيض الأواني أصبح لا يجدي نفعاً

الزوج : هذا العمل ورثته عن أبي ولا أستطيع أن أعمل غيره

الزوجة : ولكن مضى أسبوع ولم تعمل بقوت يومك

الزوج : الله هو الرزاق يا امرأة !!! هيا أحضري لي أدوات العمل كي أتوكل على الله

الزوجة : كما تريد يا عبد الرحمن

حمل عبد الرحمن أدوات عمله على ظهره وصار يجوب شوارع القرية

 (ينادي) : مبيض نحــــاس , مبيض ألمنيــــــوم  , مبيض فرايغ.....  مبيض ....

.

 .

وطاف في عدة شوارع وهو ينادي ولكن دون جدوى , وقارب النهار أن ينتصف  , فجلس عبد الرحمن تحت ظل الشجرة في أحد شوارع القرية , وبينما هو جالس ويفكر , اقترب منه أحد الصبية وقال له : يا عم عبد الرحمن أمرني مختار القرية أن أناديك فهو يريد أن يزوج ابنه ويريد منك أن تبيض له أواني الطبخ , ففرح عبد الرحمن وأخذ يسرع باتجاه بيت المختار ,حيث بيض له كل ما أراد وعاد لزوجته فرحاً مسروراً بالنقود واللحم ولخضرة .

.

 

 

 

.

ومن هنا ومن هذه القصة نبدأ حديثنا عن التبيض وكيفية طريقتها :

تعددت أشكال النحاس، منها ما يستخدم لطهي الطعام ومنها ما هو مخصص لغسيل الملابس أو للضيوف يغسلون الأيدي بعد وجبات الطعام، وبعدد وأشكال هذه الأواني يقاس ثراء الأسرة أو فقرها. وتحرص الأسر برغم كل بساطتها - على أن يكون للنحاس بريقا كبريق الفضة، إشعار للضيف بنظافة البيت، ومن هنا وجد "مبيض النحاس" فرصة هائلة لجني المال.

.

 

 

 

.

يشعل النار التي لا تخمد ليلا أو نهارا طوال الأسبوع ويضع فوقها احدى الأواني حتى تصبح حمراء قادرة على اسالة القصدير، فيأخذها جانبا ويلقي داخلها بالنشادر والقصدير ثم يقف بداخلها بقدميه الحافيتين ويبدأ في ممارسة الرقص، ويضطر ان يلف جسده بسرعة قبل أن يبرد الاناء فيلتصق القصدير في جانب منه، وعليه بعد ذلك معاودة المحاولة من جديد، وهو ما لا يتسع له وقته الشحيح.

.

 

 

.

بالرمل والحصى والسناج يدعك الأواني النحاسية بقدميه القويتين وهاهو مبيض النحاس يبذل كل طاقته وجهده لتلميع الحلل النحاسية وتبييضها بالقصدير المنصهر ومنهم من يستعمل صفوة الجمر ليدعك بها الاناء المراد تبيضه وبجانب ذلك يحمل معه البابور ليقوم بعمليه التسخين وصهر القصدير هذا اذا كان مبيض الاواني يطوف بين المنازل فإن استطاع التبيض فورا استعمل ما ذكرناه بحوزته وان كان الاناء صعبا اخذه معه ليعود به باليوم التالي جاهزا .

 

وكانت هذه حرفة هامه جدا في تلك الفتره .. حيث كانت الاواني المستخدمة كلها من معدن النحاس وكان مبيض النحاس وظيفته تنظيف النحاس من الصدأ و الحفاظ عليه لامعا كالذهب.

.

 

 

.

وكانت من الحرف الصعبة فكما نشاهدها في الافلام القد يمه. فقد مرت الأدوات النحاسية فيما مضى بعصر ذهبي كانت فيه حتى بداية سبعينيات القرن العشرين الأساس في الأدوات المنزلية التي تستخدمها ربة المنزل في حياتها اليومية، ولكنها مع انطلاقة ثورة الأدوات المنزلية المصنوعة من "الألمنيوم" و"الستا نليس ستيل" قل استخدامها حتى وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها إحدى صمديات أدوات الزينة والتحف" المنزلية لبريقها وجمالها الذي أضفاه عليه المبيض .

.

 

.

والمبيض هو الرجل العامل بمهنة التبييض التي بدأت مع وجود أول آنية نحاسية واندثرت أو شارفت على الزوال لقلة استخدام هذه الأواني النحاسية في الحياة اليومية حيث كان من مميزات الطهي على نار الحطب في الأواني النحاسية فأنها تعمل على توزيع الحرارة على كامل الوعاء وبشكل متساو ما يعطي نكهة خاصة للطعام، أضف إلى ذلك أنها تتحمل القساوة خلال الاستعمال ولكنها بحاجة إلى صيانة وتبييض بشكل دوري.

 

 ومع تكرار استخدام الأواني النحاسية التي كانت الأدوات المنزلية الوحيدة المتوافرة في الأيام الماضية، تصبح بحاجة إلى تبييض من قبل المبيض لأنها مع الاستخدام الدائم تتعرض للأكسدة بسبب الرطوبة والماء والحرارة وغيرها من العوامل الطبيعية التي تتعرض لها، فيميل لونها إلى الزراق وتصبح غير آمنة صحياً عند استخدامها، ولكن بعد تبييضها تصبح ناصعة البياض وآمنة صحية عند استخدامها ويعود بريقها ولمعانها،  لذلك فالتبييض أمر مهم لاستخدامها منزلياً.

.

 

  .   

 وما يؤكد ذلك أننا نرى إلى يومنا هذا أن مشاهير الطهاة يفضلون استعمال الأواني النحاسية في عمليات الطبخ خصوصًا عند رغبتهم في توزيع الحرارة بشكل منتظم في جميع أجزاء الطعام المراد تحضيره فيها، فقد أفادت بأن القدور النحاسية صحية أكثر في الطبخ من  القدور  الحديدية، فعلى سطح الاواني الحديدية تبقى بعض البقع الصغيرة التي تعيش عليها بكتريا خطيرة تدعى ب E-Colio 157 لمدة 25 يوما مستفيدة من عامل الحرارة. وأوضحت الدراسة، وفقا لصحيفة "القبس" أن سطح الاواني النحاسية، لا تصمد عليه هذه البكتيريا اكثر من 14ساعة،لان النحاس يقتل هذه البكتيريا، وها نرى بعض الأطباء تعلو أصواتهم بطلب العودة إلى استخدام الأواني النحاسية مرة  أخرى نظراً لأنه ثبت علمياً أن للنحاس قدرة فائقة على القضاء على جميع فيروسات الأنفلونزا في مدة زمنية تستغرق 6 ساعات .

.

 

 

.

لذلك ينصح باستخدام النحاس في تغطية الأسطح المعرضة للمس وبالتالي منع نقل العدوى من الأدوات الطبية ومقابض صنابير المياه ومقابض الأبواب والأدراج وأوعية جمع إفرازات المرضى. فقد كان مبيض الأواني النحاسية بالقصدير يستخدم في ذلك مسحوق الطوب الأحمر وبعض المواد الكيماوية مثل النشادر وحامض الكبريتيك المركز.

 

وينظف الأواني بواسطة مسحوق الرمل او الطوب الأحمر ويضع الأواني على النار لتسخينها ،ثم يمسح الأواني بعد التسخين يدويا بواسطة قطعة من القطن مبللة بسائل النشادر ثم يمرر إصبع القصدير داخل الآنية وعلى حوافها. ويمسح الآنية بقطعة من القطن حتى ينشر معدن القصدير عليها ثم يستخدم قليل من مسحوق الطوب الأحمر في مسح الآنية لتلميعها وأخيرا يغسلها بالماء .

 

وقد يستخدم حامض الكبريتيك المركز في تنظيف الأواني في حالة وجود صدأ بها. يطبق أسس وتعليمات السلامة والصحة المهنية. وأحيانا كانت لتنظيف النحاس بأن تغلى  الاوانى  النحاسيه  لمدة ربع ساعه فى ماء مذاب فيه قليل من الرماد او البوتاس من ثم تجففه جيدا أو تجليها مباشرة بشرائح الليمون  مغطسين   في الملح ...

 

وفي النهاية ارجو ان اكون قد عدت بذاكرتكم الى مهنة مبيض الاواني النحاسية وأهمية النحاس قديما التي اصبحت في عالمنا شبه مفقودة ومنسية وانتهز الفرصة لأتقدم بشكري وتحياتي لجواهر حلب التي منحتني هذه الفرصة لكتابة هذا الموضوع .

 

.

 

.

 

بقلم : خالد الحجي