جواهر حلب

 

 

 

.

أحمد عقيل {1228-1332هـ / 1813-1913م}

 

ولد الشيخ أحمد عقيل بن الشيخ محمد العقيلي في محلة العريان بزقاق عقيل في مدينة حلب سنة 1913م , في أسرة يتصل نسبها بنسب الخليفة عمر بن الخطاب .

نشأ في كنف والده تاجر الألبسة الحريرية (الأغباني) الذي كفَّ بصره آخر أيامه , وتلقى القرآن الكريم والحساب والنحو والصرف عن علماء حيه ومدينته , وأحس هو ومن حوله بجمال صوته وحبه للإنشاد والغناء منذ صغره , فدفعته الموهبة الأصيلة إلى ارتياد التكايا والزوايا ليحظى بالاستماع إلى مشايخ الفن في عصره والاستمتاع بفنون الإنشاد والغناء , من الموشحات والقدود والقصائد وما إليها , فأفاد من ذلك , وحفظ الكثير حتى أصبح ذا شأن في هذا الميدان , فقرر امتهان الإنشاد والغناء والتلحين , وما لبث أن غدا علماً من أعلام هذا الفن تهفو إلى سماعه النفوس والقلوب .

 

ولم يقتصر على ما حصله من أساتذته ومعاصريه فراح يطور فنه , ويهذب طريقته في الغناء والتلحين , ويحاول الارتقاء بهذا الفن عمَّا كان عليه آنذاك , مستفيداً من رحلته إلى عاصمة الدولة العثمانية (اسطنبول) سنة 1310هـ/1892م واتصاله بأبي الهدى الصيادي الشاعر والأديب المقرب من السلطان العثماني , حيث أصبح منشد الذكر في مجلسه , والتقى هناك بجهابذة الغناء والموسيقا العثمانية فأخذ عنهم وأخذوا عنه , ممَّا أثرى أسلوبه في الإنشاد والتلحين , وأغنى ثقافته الفنية .

ويروي الشيخ كامل الغزي في كتابه (نهر الذهب في تاريخ حلب) ما يشهد لهذا الفنان بالبراعة والتفوق , إذ ينقل شهادة سيدة إيطالية وهي زوجة القنصل الإيطالي في حلب , كانت قد تتلمذت على يديه في الغناء والموسيقا العربية فيقول على لسانها: إن هذا الأستاذ المِفَّن قلَّ نظيره حتى في أوروبا .

ومن أبرز من تتلمذوا على يديه وأخذوا عنه في حلب أحمد الشعار ومحمد الوراق ومصطفى البنشك ومصطفى المعظم وصالح الجذبة ومحمد جنيد وعمر البطش .

كما أفاد منه بعض أعلام الغناء والموسيقا في مصر , من أمثال يوسف المنيلاوي وعبدو الحمولي وسلامة الحجازي , أثناء زيارتهم لمدينة حلب , كما أخذ عنه الشيخ أحمد أبو خليل القباني الدمشقي بعض الموشحات وأصول رقص السماح هذا فضلاً عن فنانين أتراك وعراقيين وغيرهم .

 

رقص السماح: كان من أبرز مآثر هذا العالم الرائد في حلب والبلاد العربية أنه كان مجدد رقص السماح , وباعثه إلى الوجود بعد رقدته الطويلة , إذ أصبح يلقب بصاحب السماح , فقد عمل الشيخ أحمد عقيل على إعادة تنسيق أوزانه وضبط قواعده وتهذيبه , بعد أن كاد ينسى لفترة طويلة عقب وفاة مبتكره الشيخ عقيل المنبجي البطايحي (550هـ/1155م) , وحتى عصر الشيخ أحمد عقيل , ولذلك يعود له الفضل في إعادة هذا الفن إلى الحياة وبعثه من جديد وإلى تلميذه عمر البطش من بعده .

 

تميز الشيخ أحمد عقيل بصوته الجميل الرخيم وفنه الأصيل , وبراعته في الأداء , فبزَّ أقرانه , وشهد له معاصروه وتلامذته بطول باعه وعلو كعبه في الغناء والتلحين ورقص السماح , ولا يعلم على وجه التحديد ما هي أعماله التي خلفها .

بيد أن الأستاذ أدهم الجندي قد ذكر في كتابه (أعلام الأدب والفن) نزراً قليلاً من تلك الأعمال , ومنها موشح (يا سيد الكونين يا هادي) من مقام العجم ووزن المصمودي , وموشح (عيد المواسم) الذي وضع له لحناً ثانياً من مقام النهوند .

 

عمل في آخر أيامه مؤذناً في المشهد الحسيني بحلب لقاء راتب يتقاضاه من دائرة الأوقاف..وقد ابتلي أخيراً بفقد ولديه الوحيدين مما جعله كاسف البال حزين الفؤاد , يفضل العزلة والوحدة , إلى أن لحق بهما , وتوفي سنة 1913م , بعد أن عمر مئة سنة , قضاها متبتلاً في محراب فنه الأصيل , متقناً عمله , عالماً ومعلماً , وما زال ذكره عطراً إلى اليوم .

 

 

 

المصدر : موسوعة مئة أوائل من حلب